إن الوحدانية في القرآن الكريم هي تعريف البشر بإلههم الحق تعريفا عميقا موحيا يشبع العقل والقلب، فهي حقيقة قائمة على أساس من الحجج الواضحة، والبراهين القاطعة التي يتجلّى فيها الحض على التفكير والتدبّر، والدعوة إلى النظر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض من أجل الاستدلال على ربوبية الله وتأكيد وحدانيته [1] .
واللافت للنظر في عرض القرآن لهذه القضية مسألتان:
أولهما: إن القرآن الكريم لا يهتم بقضية وجود الله، ولا يجعلها محل نزاع وجدل مع المنكرين والمخالفين، وذلك راجع إلى أن المخاطبين لا ينكرون أصلا وجود الله، وأن وجود الله مسألة مغروسة في النفس البشرية «فالواقع أنه حتى العرب المشركين كانوا يعترفون بوجود إله عظيم، خالق للكون، ومدبّر لشئونه، ولا يرجع هذا الاعتراف فقط إلى بعض الآثار المحفوظة عندهم من ديانة إبراهيم وإسماعيل، وإنما توجد نواته في أعماق النفس البشرية، ولكن هذا التوحيد الأولي، أو هذه الديانة الفطرية كما يسميها القرآن لم تكن إلا فكرة محجوبة ومغمورة في الواقع تحت معتقدات وعبادات كانت تؤدي إلى عدد لا يحصى من الآلهة» [2] .
يقول سيد قطب: «لن نعجب إذا رأينا القرآن الكريم لم يكن يقف أمام قضية الاعتقاد بوجود الله بينما الحديث كلّه عن توحيد الله سبحانه، والتعريف بصفاته الحقّة، ذلك أن قضية وجود الله لم تكن قضية جدلية من قضايا العقيدة، فالفطرة حتى في انحرافها وجاهليتها لا تكاد تلم بهذا الخاطر العارض الشاذ الذي انتهى إليه بعض الشاردين من الكنيسة في أوروبا [3] .
(1) صلاح الدين رسلان القرآن الحكيم رؤية منهجية جديدة ط مكتبة نهضة الشرق:
القاهرة 1985ص 40.
(2) محمد عبد الله دراز مدخل إلى القرآن الكريم ط دار القلم: الكويت ص 74، 75.
(3) مقومات التصور الإسلامي ص 109.