فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 238

فالتركيز على المنهج القرآني ابتداء على «التوحيد» لا على «الوجود» ، توحيد الذات الإلهية، فالله سبحانه ذات واحدة لا تتعدد، لا تتبعّض ولا تندمج معها ذوات أخرى، ولا تتلبس بها في صورة من صور الاندماج أو التلبس، هذه الذات متصفة بصفات تتفرد بها كذلك، فلا يشاركها فيها أحد، ومن وحدانية الذات وتفردها بهذه الصفات تتضح وحدانية الفاعلية والتأثير في الكون وما فيه ومن فيه» [1] .

ثانيهما: إن فكرة الوحدانية عرضت في التاريخ البشري كلّه منذ وجد الإنسان على ظهر هذه الأرض، وإنها لم تعرض في القرآن الكريم لأول مرة بل هي دعوة متكررة كلما كثر الانحراف والفساد والتعدي على منهج الرسل والأنبياء. فالقرآن الكريم يؤسس دعوته إلى التوحيد على تاريخ الأنبياء في كل الأزمنة السابقة، ومن هنا يتجلّى لنا بوضوح أنّ العقل والنقل يشاركان القرآن في إثبات الوحدانية لله، ورفض الوثنية والشرك على اختلاف أنواعهما [2] .

يقول ابن تيمية (728هـ) رحمه الله [3] : التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره، وبه أرسل الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا أَجَعَلْنََا مِنْ دُونِ الرَّحْمََنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}

[الزخرف: 45] وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنََا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللََّهَ وَاجْتَنِبُوا الطََّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللََّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلََالَةُ} [النحل: 36] .

فالوحدانية التي هي أصل الشرائع الإلهية، وهي التعريف بالله وبمنهجه، وبحقوقه على العباد، قد أخذت الحيّز الأكبر من اهتمام القرآن، أما مسألة وجود الله فلا تأخذ الاهتمام نفسه لكونه من البداهات التي يدركها الإنسان

(1) نفسه ص 239.

(2) ينظر محمد عبد الله دراز مدخل إلى القرآن الكريم ص 77.

(3) الفتاوى ج 1ص 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت