يفعلوا ما يؤمرون به سواء عرفوا لماذا أمروا أم لم يعرفوا، ولكن القرآن يخاطب من أنزل عليه بمثل قوله: {قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللََّهِ عَلى ََ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}
[يوسف: 108] ، وقد فسروا البصيرة بالحجّة الواضحة، ويستدل على قدرة الله وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته بالآيات الكونية، وهي كثيرة جدا في القرآن، وبالأدلة النظرية والعقلية كقوله: {لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلَّا اللََّهُ لَفَسَدَتََا} [الأنبياء:
22]، وغير ذلك، ويستدل على الأحكام بما يترتب عليها من نفي المضرات والإفضاء إلى المنافع، علّم القرآن أهله أن يطالبوا النّاس بالحجة، لأنه أقامهم على سواء المحجّة، وجدير بصاحب اليقين أن يطالب خصمه به، ويدعوه إليه» [1] .
وأهمية الاجتهاد، وطلب البرهان، وإقامة الحقائق على الحجّة واليقين تظهر في القرآن من خلال عده جوانب نذكر منها:
أولا: إن القرآن ينظر إلى العقل نظرة احترام وتمجيد، وكان هذا من أهم دعائم الإسلام، فقد حث على التفكير والنظر في كل ما أبدع الخالق في الكون، وجعل نفي الإكراه في الدين من أوضح الدلائل على استعلاء مكانة العقل في الإسلام، «لأن الإرادة الإنسانية لا يحركها إلّا العقل الواعي الذي يميّز بين الأشياء» [2] ، قال العقاد: «لا يذكر القرآن العقل إلّا في مقام التعظيم، والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحثّ فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المفكّر على إهمال عقله، وقبول الحجر عليه» [3] .
(1) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 1ص 425.
(2) محمد الدسوقي الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية ص 35.
(3) عباس محمود العقاد التفكير فريضة إسلامية ضمن المجموعة الكاملة للعقاد ط 1 دار الكتاب اللبناني: بيروت، 1974ج 5ص 283.