فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 238

إنّ نظرة أولئك الذين يظنون أنّ القرآن يحبّذ الفقر ويندب إليه، ويكافئ على البؤس والحرمان، ويكره الثروة والغنى وجمع الأموال هي نظرة خاطئة مردودة لا تعبّر عن الموقف القرآني الصحيح الذي كما ذكر في السابق دعا إلى مقت الفقر، ومحاربة الحالات التي تسوق الإنسان إلى الذلّ والحاجة والمهانة [1] .

ويبقى أن نذكر الآن أنّ الحكمة من ثنائية الفقر والغنى التي جعلها الله في الحياة بين الناس، وفضّل على أساسها بعضهم على بعض وجعل بعضهم فوق بعض درجات هي للابتلاء والاختبار ولمعرفة الخبيث من الطيّب في الجزاء الأخروي، قال تعالى: {وَاللََّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى ََ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ََ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوََاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللََّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71] .

وقال الفيروزآبادي (817هـ) : «اعلم أنّ الفقر والغنى ابتلاء لعبده كما قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسََانُ إِذََا مَا ابْتَلََاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمََّا إِذََا مَا ابْتَلََاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهََانَنِ} [الفجر: 1715] ، أي ليس كل من أعطيته ووسّعت عليه فقد أكرمته، ولا كل من ضيّقت عليه وقترت عليه الرزق فقد أهنته، والإكرام أن يكرم العبد بطاعته ومحبته ومعرفته، والإهانة أن يسلبه ذلك، ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل بالتقوى، وقال بعضهم: هذه مسألة محال أيضا من وجه آخر، وهو أن كلّا من الغني والفقير لا بدّ له من صبر وشكر، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، بل قد يكون قسط الغني من الصبر أوفر، لأنه يصبر عن قدرة، فصبره أتمّ من صبر من يصبر عن عجز، ويكون شكر الفقير أتمّ، لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة الله، والفقير أعظم فراغا بالشكر من الغنيّ، وكلاهما لا يقوم قائمة إيمانه إلا على ساق الصبر والشكر» [2] .

(1) ينظر محمد الغروي الفقراء في ظل الرأسمالية والماركسية والإسلام ص 78.

(2) بصائر ذوي التمييز ج 4ص 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت