فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 238

فهذه الآية تحثّ على طلب الرزق، وابتغاء الغنى بعد أداء الواجبات الدينية، وجاءت صيغة هذه الدعوة بالأمر الذي يفيد الوجوب ويجعل من هذا الأمر فرضا من الفرائض.

وكما أن القرآن الكريم قد جعل من الغنى نعمة من النعم الإلهية فإنه في الجانب المقابل قد جعل الفقر نقمة على الإنسان وحياته، ومشكلة من المشكلات الخطيرة التي يجب التصدي لها وعلاجها قبل أن تفتك بالفرد ثم المجتمع، فخطورته تأتي من عدّة نواح:

أولها: أنّ الفقر خطر على التصور والعقيدة، فالفقير قد يتسرب إليه الشك في عدالة السماء لما يرى في نفسه من بؤس وشقاء، وما يراه من حوله من غنى وترف، وهذا الانحراف في العقيدة قد يدعوه إلى الكفر بالله، والسخط على قضاء الله.

وثانيها: أن الفقر خطر على السلوك والأخلاق لأن الفقير المحروم كثيرا ما يدفعه بؤسه إلى سلوك ما لا ترضاه الفضيلة والخلق الكريم.

وثالثها: أن الفقر خطر على الفكر الإنساني لأن الفقير الذي لا يجد ضرورات الحياة وحاجاتها لا يستطيع أن يكفر تفكيرا سليما وبخاصة إذا فقد التصور الصحيح والعقيدة السليمة.

ورابعها: أنّ الفقر خطر على الأسرة والمجتمع، فنجد أن الفقر قد يكون مانعا من أكبر الموانع التي تقف أمام أداء الواجبات الأسرية مثل الزواج وطلب العفاف بل قد يكون سببا في حصول الفساد الأسري مثل الطلاق وغيره، وقديما في الجاهلية قتل الآباء أولادهم خشية الفقر، والفقر كذلك خطر على المجتمع وتماسكه وأمنه، وهو خطر على سيادة الأمة وحريتها واستقلالها، فالبائس المحتاج لا يجد في صدره حماسة الدفاع عن وطنه، والذود عن حرمات أمته، فإن وطنه لم يطعمه من جوع ولم يأمنه من خوف، وأمته لم تمد إليه يد العون لتنشله من الشقاء [1] .

(1) ينظر تفصيل ذلك في مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، يوسف القرضاوي ص 2418.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت