تستوجب المكافحة والعلاج، ويبيّن أنّ علاجه مستطاع وليس محاربة للقدر ولا للإرادة الإلهية، وهو يرفض نظرة الذين يقدّسون الفقر، ويرحّبون بمقدمه، ويعدّون الغنى ذنبا عجلت عقوبته. ويرفض نظرة الذين يعدّون الفقر قدرا محتوما لا مفرّ منه، ولا علاج له إلا الرضا والقناعة، ويرفض نظرة الذين يقتصرون في علاج الفقر على جانب الإحسان والتصدق الاختياري وحده، وهو كذلك ينكر نظرة الرأسمالية المطلقة إلى الفقراء وحقوقهم على الأغنياء وعلى الدولة، ويتجاوز بعلاجه الترقيعات التي أدخلتها الرأسمالية المعدلة وما شابهها من أنظمة. كما يرفض بشدة نظرة الذين يحاربون الغنى وإن كان مشروعا، والملكية وإن كانت حلالا، ويرون علاج الفقر في تحطيم طبقة الأغنياء، وإيقاد تنّور الصراع بينهم وبين الفقراء، وسائر الطبقات الأخرى» [1] .
إن القرآن الكريم جاء بمنهج الوسطية والعدل في كل شيء، وهو في هذه القضية بالذات يرى أن الغنى نعمة يمتن بها الله على عباده، ويطالب بشكرها، وأداء حقها، قال تعالى: {وَوَجَدَكَ عََائِلًا فَأَغْنى ََ} [الضحى: 8] ، وقال تعالى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شََاءَ إِنَّ اللََّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
[التوبة: 28] .
ففي الآية الأولى امتنان من الله تعالى على رسوله بالغنى بعد الفقر والغنى كي يستغني عن الناس في مشاق الدعوة وتكاليف الجهاد، وفي الآية الثانية وعد من الله للمؤمنين بالغنى بعد الفقر إن هم أطاعوه وامتثلوا لأوامره، وفي هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات ما يفيد بأن القرآن يرى في الغنى نعمة من الله سبحانه، يجب على المرء أن يسعى إليه ويطلبه، وفي النصوص الإسلامية ما يفيد ذلك، قال تعالى: {فَإِذََا قُضِيَتِ الصَّلََاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللََّهِ وَاذْكُرُوا اللََّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 8] .
(1) يوسف القرضاوي مشكلة الفقر كيف عالجها الإسلام ص 4140.