فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 238

فحكمة الابتلاء هي التعليل القرآني الواضح لقضية التفريق بين الناس في الغنى والفقر، وهي الحكمة التي علّل بها القرآن الوجود الإنساني كلّه. قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيََاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2] .

ونمضي الآن مع سورة التوبة وتناولها لهذه القضية الهامة في جانب من آياتها ونبدأ بقوله تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلََا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شََاءَ إِنَّ اللََّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28] .

ففي هذه الآية حديث عن الفقر والغنى في صورة متقابلة متضادة، فالعلية هي الفقر الذي خشي منه المؤمنون بعد منع المشركين من الحج والقرب من المسجد الحرام، والغنى هو الرزق الذي وعد الله به المؤمنين بعد تنفيذ أمره، قال ابن عباس: «كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتّجرون فيه، فلمّا نهوا أن يأتوا البيت قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام، فأنزل الله {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} الخ قال: فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم» [1] .

فوعد الله بالغنى للمؤمنين قد تحقق بعد منع المشركين من دخول بيت الله الحرام مباشرة، وكان هذا الغنى من فضل الله على العرب، فقد «أغنى سائر المسلمين جميع أنواع الغنى، فتح لهم البلاد، وسخّر لهم العباد، فكثرت الغنائم والخراج، ومهّد لهم سبل الملك والملك وكان نصيب مكة نفسها من ذلك عظيما بكثرة الحاج وأمن طرق التجارة» [2] .

والقيمة الاقتصادية التي يمكن أن تستفاد من الآية أنّ وعد الله بالغنى بعد تنفيذ الأمر لا يعني ترك الأسباب الداعية إلى العمل والتحرك نحو الغنى، فمن

(1) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 278.

(2) نفسه ج 10ص 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت