أنهم كانوا يتنقلون بين قصور الملوك والأمراء مادحين من يدفع أكثر، جاعلين ألسنتهم أبواق دعاية لهؤلاء الملوك والأمراء فلم تكن هناك صحافة ولا إذاعة فكان الشعراء هم الذين يقومون بمهمة وسائل الإعلام في عصرنا الحديث، وبالطبع كان الشاعر يفني نفسه في ممدوحيه، يقول ما لا يعتقد ويمدح من لا يستحق أملا في الهبات والعطايا.
فهل كان فريد الدين العطار على شاكلة هؤلاء؟
لم يؤثر عنه أنه فعل ذلك فقد كان فريد الدين على ثراء في بداية حياته، فذلك الشخص الذي يأتيه كل يوم خمسمائة مريض فيجري الكشف الطبي عليهم ويبيع الدواء لهم، لا بد وأن يكون ثريا، وليس في حاجة لأن يستجدي أي ممدوح.
كما لم يؤثر عن العطار أنه أهدى كتابا من كتبه إلى أحد أو ختم منظومة من منظوماته بمدح ملك أو أمير، كما فعل سنائي الشاعر الصوفي، فقد ختم «سير العباد إلى المعاد» بمدح «أبي المفاخر سيف الدين محمد بن منصور» قاضي سرخس [1]
والدليل على أنه لم يمدح أحدا في حياته موجود في كتاب منطق الطير حيث قال ما ترجمته [2] .
شكرا لله، فلم ألجأ إلى قصر، ولم أكن ذليلا لكل حقير.
ولم أطعم خبز ظالم مطلقا، ولم أختم كتابا بذكر أحدهم مطلقا.
ولكن هل ظل العطار على هذه الحال من الثراء والغنى؟
أظن أن حاله تبدلت بعد أن هجر الصيدلية، وأنه وصل إلى حالة
(1) سنائي: سير العباد إلى المعاد ص: 76وما بعدها طهران 1316هـ. ش
(2) منطق الطير نسخة باريس 1857، ص: 179