قال الشيخ: إن روحي غاصة بالآلام والعلل، فسارعوا إلى أي مكان ترغبون في التو والحال، وما دمت على قيد الحياة، فحسبي أن يكون الدير مقري، وكذا حسبي تلك الفتاة المسيحية التي تجدد روحي، إنكم تدركون هل تحررتم أم لا، وذلك لأنكم لم تسقطوا سقطتي، فلو سقطت هذه السقطة، لكنت رفيقي على الدوام في هذا الغم. عودوا ثانية أيها الأعزاء، فلا أعلم ماذا سيحدث أيضا، وأن تسألوا عني، قولوا صدقا، فأين من دارت رأسه ممن زلت قدمه؟.
هكذا غصت عيناه بالدم، وفمه بالسم، وكأنه قد سقط في فم تنين القهر، ولا يرضى أي كافر في العالم، عما فعله ذلك الشيخ قضاء وقدرا، فما أن أظهروا له وجه الفتاة المسيحية، حتى لم يعد يطيق العقل والدين والمشيخة، وما أن ألقت غدائرها كالحلقة في حلقه، حتى لاكت ألسن الخلق جميعا سيرته. وأخيرا قال:
«إن يقدم أحد على توبيخي، فقل، ما أكثر من سقطوا في الطريق سقطتي، ففي مثل هذا الطريق الطويل، لا أبقيت يا إلهي من يأمن الخوف والخطر» ، قال هذا وأشاح بوجهه عن الرفاق، ثم أسرع لرعاية الخنازير.
كم بكاه الرفاق لما ألم به من هموم وأحزان، وكانوا يبكونه في كل زمان. وفي النهاية قفلوا عائدين إلى الكعبة، وظلت أجسادهم في هزال وأرواحهم في حرقة، وأما شيخهم فقد ظل وحيدا في بلاد الروم، وأسلم دينه للريح، وعكف على المسيحية، ومن الخجل ظلوا جميعا في حيرة، واختفى كل فرد منهم في زاوية.
وكان للشيخ رفيق حصيف يقيم بالكعبة، وقد تخلى بعظيم إرادته
عن كل العلائق، وكان غاية في رجاحة العقل، كما كان للطريق هاديا، وما كان لأي شيخ علم وبصيرة أفضل مما له، وعندما سافر الشيخ من الكعبة، لم يكن هذا المريد موجودا بها، وعندما عاد إلى المكان، وجد سراي الخلوة تخلو من شيخه، فسأل المريدين عن حال الشيخ، فأعادوا عليه جميع أحوال الشيخ، ثم قالوا: