وكان الشيخ بن جماح يعمل في هذه المدرسة مديرًا ومعلمًا وخادمًا، وأختار نخبة من المتعلمين الأفاضل المحتسبين لكي يعملوا معه في المدرسة، ولم يلبث توقف حركة الدعوة إلى الله تعالى في المساجد والأسواق والمناسبات سوى أشهر فقط، حتى تم إعداد الطلبة الأذكياء، وقاموا بدور كبير بالدعوة في بيوتهم وعشيرتهم وكان الشيخ يعدهم علميا وعمليا ويملي عليهم نصائح وتوجيهات، ويقوم بتوزيعهم على مساجد القرى وجوامعها، وقوبلت الدعوة على ألسنتهم بالقبول والمحبة والرغبة، واستؤنف عمل الدعوة من الإساتذة الكبار الذين كانوا في معية الطلاب الصغار مساندين لهم ومؤيدين.
ومن المدرسة بدأ التحرك الدعوي مرة أخرى، على غرار ما فعله أنصار السنة المصريين الذين التقى بهم في الحبشة، مراعيا فارق الأوضاع والأعراف، ومستفيدا من اندهاش الناس بجودة أداء الطلاب الصغار، فوسع نطاق دعوته حتى وصلوا بيشة وضواحيها وبلاد خثعم وشمران وعليان وبلقرن وبني عمرو وبني شهر وحتى عسير وأحد رفيدة، و قد أثمر هذا التحرك انتشار صيت المدرسة السلفية واحتشاد الطلاب من قبائل ومناطق عديدة للدراسة فيها0
واقتضى ذلك البحث في قضية بناء بيت للطلاب المهاجرين لطلب العلم وبناء مدرسة واسعة، فكان ذلك في قرية الشعبة (قرية أسرة الغمد شيوخ شمل غامد) وساعد أعيان وتجار غامد في جدة وغيرها في بناء المدرسة السلفية والتي هي المدرسة الأولى - فيما أظن- في بلاد غامد وزهران0
وفي أثناء زيارة الملك سعود رحمه الله للمنطقة سنة 1374 خص المدرسة السلفية بزيارة وأقيم فيها حفل كبير له، ولما أطلع على ما تقوم به من دور وما تضطلع به من مهام تعليمية وتربوية ودعوية أمر بدعمها سنويا بمبلغ يسلم للشيخ من وزارة المالية0
فشجع ذلك الدعم المادي والمعنوي من الملك أن يقوم الشيح بن جماح بافتتاح عدة فروع للمدرسة السلفية:فرعان لتعليم البنات في بلجرشي (وهي أول مدارس نظامية للبنات في المنطقة) وفرع في قرية (الأبنا) جنوب بلجرشي، وفرع في بني حسن من بلاد زهران، ثم إنتقل الى قرية النصباء، ثم لما قصرت النفقة وضعفت المساعدات، وأفتتح التعليم النظامي توقفت هذه الفروع، وبقيت المدرسة الأصل في بلجرشي مستمرة بوصفها مدرسة أهلية خيرية يدعمها اهل الاحسان وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وصارت المدرسة فيما بعد تحتوي على المراحل الثلاث الابتدائي والمتوسط والثانوي، وبقيت كذلك حتى تحولت عام 1411 الى مدرسة حكومية، وبقي لمؤسسها الشيخ بن جماح حق النظارة الشرعية والاشراف0
ومما اشتغل به الشيخ رحمه الله إضافة الى التعليم والدعوة الى الله تعالى تعليم القرآن وتحفيظه ومن أوائل ذلك فتحه الحلقات لذلك عام 1370،ثم زادت عام 1380، ثم لما أسست جمعية لتحفيظ القرآن في بلجرشي كان مشاركا ومشجعا ومؤيدا، وفي سنة 1409 أنتخب رئيسا لها فصير اسمها (الجمعية الخيرية السلفية لتحفيظ القرآن في محافظة بلجرشي وتوابعها) ونشطت وأصبح لها عدة فروع وتخرج فيها عددا غير قليل من الحفاظ وبقي مشتغلا في شأن تعليم وتحفيظ القرآن حتى قبيل وفاته بساعات0
وقد ترك الشيخ من الأبناء -في حد علمي - عليا وعبد المنعم، وترك من التلاميذ عددا كبيرا، وقد درست على يديه في المدرسة السلفية مادة الفروسية وكان المنهج علميا وعمليا اما العلمي فكان كتاب ابن القيم الفروسية، وأما العملي فكان منه تعلم السباحة وفنونا أخرى، وتخرجت فيها من الابتدائية 1390 - 1391، وقد درس فيها والدي رحمه الله قبلي وتخرج فيها في نحو عام 1380ودرس فيها جدي لأمي عثمان بن مرشد الشهري رحمه الله وأتى بعائلته وبابنه من بلاد بني شهر ليدرس في السلفية، ولهذا قلت هو شيخي وشيخ أبي وشيخ جدي، وأعرف جملة من الأعيان المعروفين ممن تخرجوا في هذه المدرسة ومنهم على سبيل المثال استاذي الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام المسجد النبوي، والشيخ داوود العلواني العمري، والشيخ عبد الهادي العلواني، والشيخ عبد الله بن مجدوع القرني وشقيقه، والشيخ الدكتور سالم بن محمد القرني، والتاجر المعروف علي المجدوعي وآخرون لا يتسع المجال لحصرهم هنا0
أما زملاؤه ومعاونوه في التعليم في السلفية وفي الدعوة الى الله تعالى فكثير أذكر منهم الشيخ سعيد الدعجاني، والشيخ سعد بن حجر، والشيخ ناصر بن سعفة، والشيخ عبدالله ابو علامة بن محمد الفقيه، والشيخ علي بن جنيدي، والشيخ ناصر بن مغرم، والشيخ علي بن مغرم، ومن أسرة (الغمد) الشيخ أحمد بن سعيد البدوي، والشيخ عبدان بن علي، والشيخ عبد العزيز بن سعيد وابنه سعيد بن عبد العزيز0
أما محبوه والمتأثرون به والمعجبون بشخصيته وعلمه فأكثر من أن يحصيهم العد، ولذلك عم الحزن بفقده وتناقل التعازي بينهم بموته، فكل يعزي الآخر في ذلك؛ لأنه فقيد الجميع، أسأل الله تعالى له الرحمة والرضوان والعفو والغفران، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه
كتبه سعيد بن ناصر الغامدي 27/ 07 /1430 كوالالمبور
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)