ـ [أبو الزبير المقدسي] ــــــــ [27 - 11 - 10, 08:20 م] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، القائلِ سبحانه وتعالى {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} في محكم قرآنه، بعث إلينا رسولًا نبيًا أميًا أمينًا وأيَّدَهُ بالآيات الباهرة، والحجج القاهرة، فأسبغ به صلوات الله وسلامه عليه على البشرية كلِّها نِعَمَهَ باطنةً وظاهرة، وأمره أن يصدع بما يؤمر فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأوضح الحجة وبين الْمَحَجَّةَ، وما انتقل إلى ربه سبحانه حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة فمن زعم أنه قد كتم شيئًا فقد كذب، فلا نجاة لعبد حتى يكون تبعًا لهديه مرادُه وهواه، ويا فوز من طلب باتباعه رضى الله تعالى وإنما الهدى هدى الله، رزقنا الله تعالى ذلك برحمته، وحشرنا تحت لوائه وفي حزبه وزمرته، وجمعنا به وبصحبه رضي الله عنهم أجمعين في فردوس جنته.
أما بعد:
فقد ألحّ عليّ كثيرٌ من الإخوان، من بعد ما ألحّت حوادث الزمان، في كتابة ترجمة لرهين كسبه وأسير ذنبه كاتبِ هذه السطور، أذكرُ فيها السيرةَ والطلب، عسى الله أن ينفع بها من شاء من عباده، وأن يكتب لي بِها أجرا، ويجعلَها لي ذُخْرا، إنه على كل شيء قدير.
ولولا أننا صِرْنا إلى زمان قلَّ فيه رأسٌ إلا وهو يَنْطِفُ تعالمًا وجهلا، مع ما امْتُحِنَتْ به الأمة من تتابع الفتن تتابع القطر، وكان آخرَها المحنةُ بِهذه الحرب الصليبية الهوجاء؛ التي كشف بها الأعداء لأهل الإسلام عن ساق العداوة، وأطلت بسببها أفاعي النفاق من أبناء جلدتنا من جحورها، وتَبَدّى الأدعياءُ في ثياب جِنانِ العِلْمِ وتَحلَّوْا بِحُلِيِّ حُورِها، يُلَبّسون على عباد الله أَمْرَ دينهم، ويصدونَهم عما افترضه الله تعالى عليهم بِذَرِيعَةِ التخوُّفِ على مصالحهم، فالأمة تُذْبَحُ اليوم بِفَتاوِيهم، وتُهانُ كَرامَتُها بِجُرْأَتِهِمْ!!، فلو خُلِّيَ بينهم وبينها لقتلوا فيها الحمية الدينية والغيرة الإيمانية، ولجرُّعوها كؤوس المذلة والحرمان، فكان الحَجْرُ على أمثالهم صيانةً للعقول والأديان، أولى من الْحَجْرِ على السفهاء والمرضى صيانةً للأموال والأبدان.
ومما ضاعف البلاء وعظّم الابتلاء أن سُخّرت لهؤلاء الزّمْنَى كلُّ آلةٍ ووسيلة، وأُعْمِلَتْ فِي تَرْويجِ أباطيلهم كلُّ مكيدَةٍ وحِيلة، أما دُعاةُ الحق - وهم كثيرٌ ولله الحمد في كل بلد ومصر- فبين خائف يترَقَّب، ومقموع مقهور، وثالث يحولون بينه وبين إيصال الحقِّ إلى الخلق، والناس إلا من رحم الله رِعاعٌ تنطلي عليهم الحِيَل، ويظنون أن من كثُر ظهوره على المنابر، وسُوِّدَتْ بِما يكتب وجوهُ الصحائف والدفاتر، فهو العالم النِّحْريرُ الذي لا يُشَقُّ له غُبَار، وإن كانَ فِي طَيِّ ما يَتَفَوَّهُ به العار والنار، فإلى الله وحده المشتكى من غُرْبة على غُرْبَة، فمن كان نائحًا فلينُح على الدين وأهله، ولئن طالت بأمة الإسلام حياةٌ وكَتَبَ الله لَها أن تتذوق حلاوةَ النصر والظفَر، وتتقمص قُمصان العزة والكرامة لتَبكينّ غُرْبَتَنا هذَه بالدِّماء لا بالدمُوع، ولتَسْتَعيذَنَّ بالله أنْ يكونَ لَها إلى مِثْلِ حالِنا هذه نُكُوصٌ أو رجوع.
ومَن ركبَ الثورَ بعدَ الجوا دِ أنكرَ أظلافهُ والغبب
فلما أجلْتُ قداحَ النظر فيما صرنا إليه، رأيت لزامًا على كل غَيُورٍ على حُرْمَةِ الدين ألا يَدَعَ فِي حَوْزَتِهِ سهمًا يقدِرُ بِرَمْيِهِ على نَصْرَةِ الدين إلا رَمَى به وإلا عادَت السهامُ وبالًا عليه.
وكان من المقرر في الشرع المطهر أن التواضع وخفضَ الْجَنَاح إنَّما هو لعباد الله المؤمنين، وأما أعداءُ الدين وحلفاؤُهُم من المثَبِّطِينَ المُخَذِّلِينَ المرْجِفِينَ؛ ومن يعملُ على شاكلَتِهِمْ مِنَ المتعالِمِينَ المبطلين فإن المرء والله نِعِمَّا يقول على رؤوس الملأ منهم (ها أنا ذا) ذبًا عن الشرع الحنيف، ورعايةً لحرمته، وإعلاءً لكلمته، ورفعًا لرايته، وقمعًا لعدو الدين، ودحرًا للمعاندين، وتكبيتًا للمُخَالِفِينَ، والمعوَّلُ عليه في كل هذا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم (إن أتقاكم لله وأعلمَكُم بالله أنا) ، وقولُه عليه الصلاة والسلام (إنما الأعمال
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)