رحل هذه الليلة السابع والعشرون من شهر رجب سنة 1430 حوالي الساعة السابعة مساءًا أحد أكابر أعلام بلاد غامد وزهران، الشيخ العالم الداعية محمد بن علي بن محمد آل جماح الغامدي، علم الأعلام في بلاد غامد وزهران، وشيخ المعلمين، وأستاذ الدعاة، عن عمر يناهز التسعين أو يربو عليها، عاش رحمه الله حميدًا عالي الذكر بالخير، مشهورا بين الناس بالفضل، سعيدا بالدعوة الى الله ونشر العلم النافع، صابرا في سبيل ذلك، وكان صاحب شخصية مؤثرة له سمت حسن وصوت مهيب وصورة جميلة وهيبة ووقار، وذكاء نافذ وبصيرة وفراسة، وقد متعه الله بصحة جيدة، حتى تعلل في سنواته الأخيرة ببعض علة في القلب، و لم يوقفه ذلك عن العمل الخيري، والبذل في ذلك حتى آخر ساعة من عمره المبارك، حيث كان قبيل وفاته بساعتين أو نحوها في اجتماع لجنة الموارد في جمعية تحفيظ القرآن في مدينة بلجرشي0
ومن أراد أن يكتب تاريخ منطقة الباحة في هذا العصر - وخاصة في الجانب التعليمي والدعوي - لابد أن يذكر المدرسة السلفية ومؤسسها الشيخ بن جماح رحمه الله، وهي المدرسة التي امتد اثرها في بلاد غامد وزهران وبني عمر وخثعم وبلقرن وبني شهر، ووصل تأثير دعاتها إلى بقاع كثيرة من البلدان التهامية والبدوية المصاقبة لبلاد غامد0
أخذ الشيخ القرآن أولا على يد والده الشاعر الحكيم الشهير ذائع الصيت في بلادنا علي جماح المتوفى سنة 1366رحمه الله، ثم تتلمذ على يد الشيخ الفقيه علي بن ابراهيم المداني واخذ عنه الفقه الشافعي والنحو وغيرهما ولما بلغ عمره اثني عشر عاما أهداه احد اقاربه كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فحفظه وتأثر بما حواه من علم ودليل وصفاء وعودة الى الينابيع الأولى الصافية، وأثر في صياغة شخصيته العلمية كما سيظهر فيما بعد0
سافر الى الحبشة بمعية أخيه الكبير لطلب الرزق، وفيها تعرف على جملة من علماء مصر من الأزهر، وتأثر كثيرا بعلماء ودعاة جماعة أنصار السنة المحمدية المصريين الذين فتحوا في بلاد الحبشة مدرسة لتعليم ابناء المسلمين، وكان هذا التأثر بهم له أثر في صياغة شخصيته العملية بعد عودته الى بلاده واجتهاده في نشر العلم والدعوة0
عاد الشيخ وهو فتى ينضح بالحيوية والنشاط وقد اكتسب الخبرة ورأى أجناسا من الناس وعلم أنه لا مجال لإصلاح أحوال البلاد والعباد الا بالدعوة الى الله والتعليم فوضع أسس دعوته في ورقة و بحث عن أفاضل الناس من أهل بلجرشي وخاصة من أصدقاء والده وعرض عليهم البدء بحركة دعوية سلفية، مستلهما ما كتبه الشيخ محمد حامد الفقي في حركته السلفية بمصر، فوافقوه ووقعوا على مقترحه، وكان يرى أن العمل للإسلام لا ينجح بشكل جيد إلا بوضع طريقة إدارية يسير عليها، وأستمر هذا دأبه حتى آخر حياته، وكان مما تضمنه الإتفاق مع هؤلاء الافاضل وضع رئيس لهم وأمين صندوق ووقتا اسبوعيا للاجتماع وتدارس الأمور والمستجدات، واتفقوا على ألا يدعوا الناس الى خير الا وقد فعلوه هم، ولا ينهون الناس عن شر الا وقد بدأوا بتركه، ثم تحركوا في محيطهم ونشطوا، وكما هو المتوقع دائما فقد حصلت لهم عوائق، فاستعاض الشيخ بن جماح عن هذا النشاط الدعوي، بإنشاء مدرسة لتعليم أبناء العشيرة الأقربين، وكانت هذه نواة المدرسة السلفية وذلك في عام 1370وفتح المدرسة في قرية القرى في منزل الأخوين الوجيهين الكريمين: عبدالله بن سعيد وأخيه صالح بعد معاناة شديدة للحصول على المكان إلا أنه لم يلتحق بالمدرسة طلاب سوى أبناء الأعضاء، وبذل في سبيل اقناع الشباب بالدراسة جهدا كبيرا، ومن ذلك أنه كان في قرية (المكارمة) إمرأة من أهل القرآن تدعى: زهرة بنت محمد الأعمى غفر الله لها، وكان عندها ما يقارب (25) طالبًا تعلمهم القرآن الكريم، فطلبهم الشيخ بن جماح منها على أن يعوضها ببنات تقوم بتعليمهن فوافقت إلا أن الطلبة تلكأوا بسبب دعايات مضادة للشيخ ودعوته، ولكنه قرر لهم درسًا، وفي نهايته كان يخرج بهم إلى البر ويمارس معهم بعض الألعاب الشعبية حتى ألفوه، فأخذهم وعوض المعلمة زهرة ببنات أكثر منهم عددا فسرت بذلك، رحمها الله وأعلى درجتها في عليين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)