رابعًا: تخرج فتاوى هذا العالم الجهبذ من مقاصد هذا الدين العظيم، ومن أعظم مقاصد هذا الدين اليسر والسماحة - كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم"بعثت بالحنيفية السمحة"، وقال"إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"فمعروف عنه في فتاويه تغليب جانب التيسير الذي هو مقصدٌ عظيمٌ من مقاصد هذا الدين العظيم، بخلاف بعض طلبة العلم الذين يغلّبون جانب الاحتياط والتشديد بحجة فساد الزمان أو غيره، قال سفيان رحمه الله:"ليس الفقيه من يعرف الحلال والحرام، ولكن الفقيه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين"، وهذا فقه لا يكاد يدركه بعض من يتصدّى للفتوى أو يغيب عن بالهم أحيانًا.
خامسًا: مما عُرفَ عن هذا العالم الجليل العمل بقاعدة"الأصل في المسلم براءة الذمة"فما أكثر من تجد من الناس فقراء وطلاب علم مَن يحمل تزكية من الشيخ، تجد ختم الشيخ وتوقيعه عليها، فما أحوجنا أن نغلّب حسن الظن في تعاملنا مع إخواننا ومشائخنا وجميع من نتعامل معهم من زوجة وزميل العمل ونحوهم، عملًا بقول الله (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم) إننا في هذا الزمن نعاني من تفسير بعض الاجتهادات وتصنيف بعض الشخصيات مما يتناقض مع تغليب حسن الظن في التعامل، بل يلاحظ ممن يقف مع بعض المقولات ومحاولة تصنيف كل عبارة وتوظيف كل كلمة لتوكيد تصنيفه.
سادسًا: مما عُرف عن هذا العالم عدم إغفاله لجانب العناية بالفقراء والمساكين، بل رؤي - رحمه الله - مرة وهو يقود سيارة متواضعة في جُنح الليلِ الدامسِ يحملُ بنفسه أطعمة وأغذية ويوزّعها على الفقراء في بيوتهم متخفيًا عن أنظارِ الناس، فما أحوجنا في وقت الفرصة في هذه الحياة أن نعتني بهذه الشريحة من الناس وهم الفقراء المتعففين، وهي رحمة يفتحها الله على من يشاء من عباده"ما يفتح الله من رحمة فلا ممسك لها وما يُمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم"، مهما كان وضع المرء المادي، فإن الغنى نسبي، والفقر نسبي كذلك، والراحمون يرحمهم الرحمن.
سابعًا: مما يلمحُ في ذهنك بمجرد ذكر هذا العَلَم، ابتسامته العريضة التي تفسح عن رضىً بالغ، وأُنسٍ دائم، وتفاؤلٍ عظيم، كيف لا؟ وقد اطمأنّ قلبه بذكر الله، ورضىً بقضاء الله، فما أعظم الفرق بين أشخاص يخطر ببالك أول ما تذكر أسماؤهم ابتسامتهم الرائعة وبين آخرين يُعرفون بتقطيب الجبين والسخط والتلاوم وضعف الرضى ودوام التشاؤم فهؤلاء يجلبون الاكتئاب والضيق والنكد على جلسائهم وفي بيوتهم، فما أجمل أيها الكرام أن تعلو الابتسامة وجوهنا حين ندخل بيوتنا وأعمالنا وأمام إخواننا المسلمين وفي كل أحوالنا، إن من اعتاد على الابتسامة يضفي شحنًا إيجابية على كل من يلاقيه، كما كان حال شيخ الاسلام ابن تيمية كما يقول عنه ابن القيم"إنا لنذهب إلى شيخ الإسلام فما نراه إلا ويذهب عنا كل ما نلاقيه من شدة"، إن هؤلاء هم العظماء حقًا، من يحملُ الأنس ليؤنس البشريةَ جمعاء.
رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته وأخلف الأمة خيرًا.
صالح بن عبدالعزيز التويجري -
مساء الثلاثاء 21 - 7 - 1430هـ
أوزنقول التركية.
ـ [محمد زياد التكلة] ــــــــ [15 - 07 - 09, 03:08 م] ـ
ماذا خسر العالم بوفاة ابن جبرين؟
خالد الأحمدي
لجينيات
لقد ترك الشيخ برحيله في نفوسنا جروحًا لا تندمل، وأحزانًا لا تنقطع، كيف لا وهو الأب الحاني والمربي الفاضل والعالم الجهبذ، ولقد خسر العالم بأجمعه برحيله، خسر بحرًا من بحور العلم، وشاطئً من شواطئ الأمان، خسر القول الحكيم السديد حين تضرب الأقوال، وخسر الرأي الحصيف حين تتبدل الآراء وخسر الثبات على الحق حين تتزعزع القيم، خسر الوقوف مع القلة المؤمنة حين تستكبر الطغمة الفاجرة، لقد خسر العالم أكفًا طاهرة كانت تلهج بالدعاء أن تُصلح الأحوال وتسير الحياة في أمنٍ وأمان، ولقد خسر العالم ربان سفينة يجيد الإبحار وسط الأمواج المتلاطمة العاتية ثم يرسو بنا على شواطئ الخير والحق المبين ولقد خسر العالم جسدًا لطالما أتعبه قيام الليل وجبهةً لطالما انحنت لخالقها، لقد كان الشيخ مصباحًا أضاء المشرق وبلغه نوره المغرب، ولطالما بلغ علمه الأصقاع وجاب طلابه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)