لا يعتمدُ إلا ما صحَّ بهِ الدليلُ، وترجّحَ لهُ بموجبِ المقارنةِ بينَ الأقوال ِ، وهو في دروسهِ يُلقي بحسبِ ما يتهيأ لهُ، فقليلًا ما يُعدُّ أو يُراجعُ للدرس ِ، وإنّما يأتي إلى مجلسهِ ويُقرأ عليه، فينطلقُ كالسيل ِ الهادر ِ، ولا يُعرفُ انتهاءِ الدرس ِ إلا بسكوتهِ.
وطريقتهُ في التدريس ِ كطريقةِ أصحابِ المطوّلاتِ من كُتبِ الفقهِ، إذ يذكرُ المسألة َ وفروعها، ويُطيلُ النفسَ فيها، فينتظمُ درسهُ أبوابَ الفقهِ أصولًا وفروعًا، ويذكرُ في كلِّ مسألةٍ أقوالَ أهل ِ العلم ِ فيها، ويوردُ أدلّتهم وافرة ً تامّة ً، ثمَّ يذكرُ أجوبةٍ كلٍّ، حتّى يصلَ إلى ما يختارهُ ويُرجّحهُ، فيذكرُ وجهَ اختيارهِ، ويُجيبُ على أدلّةِ الآخرينَ، كلُّ ذلكَ صارَ طبعًا فيهِ وعادة ً، فلا يتكلّفُ شيئًا في درسهِ البتّة َ.
وقد توفيَ والدُ شيخِنا في سنةِ 1406 هـ، ولشيخِنا من العمر ِ 25 عامًا، وحينَ وفاتهِ أجازهُ بالفُتيا والتدريس ِ، وكان ابتداءُ شيخِنا بالقراءةِ على والدهِ وعمرُه عشرُ سنواتٍ، كما أخبرَ بذلكَ في دروسهِ.
وشيخُنا كثيرُ القراءةِ والمطالعةِ، ولهُ عناية ٌ خاصّة ٌ بالكتبِ ومعرفة ٌ بها، ومكتبتهُ كبيرة ٌ، ورثَ أكثرَها عن أبيهِ، فيها نفائسُ الطبعاتِ وأندرُها، وقد حدّثني صاحبٌ من طلبةِ العلم ِ، أنّهُ تناقشَ مع شيخِنا في مسألةٍ، فذكرَ صاحبُنا للشيخ ِ أنَّ ابنَ تيميّة َ يرى رأيهُ، فقالَ شيخُنا: لقد قرأتُ الفتاوى ثلاث مرّاتٍ، ولم يمرَّ عليَّ هذا الكلامُ!، فإذا كانتِ الفتاوى قرأها ثلاث مرّاتٍ، فكيفَ يكونُ شأنُ غيرها من الكتبِ والرسائل ِ؟، ومن عجيبِ ما وقعَ لي معهُ أنّي مرّة ً أتيتُهُ فرِحًا أريدُ إلزامهُ بأمر ٍ ما في مسألةٍ فقهيّةٍ، فذكرتُ لهُ وجهها، فقالَ وهو يبتسمُ ابتسامة َ القرير ِ: انظرِ الجوابَ عنها في كتابِ"شرح ِ مُختصر ِ الخرقيِّ"للإمام ِ الزركشيِّ، وكانَ الكتابُ حديثَ الطباعةِ، فعجبتُ من سرعةِ قراءةِ الشيخ ِ للكتابِ، بلهَ وقوفهُ عليهِ!.
كما أنَّ لشيخِنا جلدًا وصبرًا ومُجاهدةً على بثِّ العلم ِ ونشرهِ، وذلك أنَّهُ كانتْ لهُ ثلاثُ مجالسَ يُقرئُ فيها الفقهَ، أحدُها بجُدّةَ والأخرى بمكّة َ والثالثة َ بالمدينةِ، وكانَ يأتي هذهِ الدروسَ برًّا بسيّارتهِ ولوحدهِ، ولا يكادُ يبيتُ في جُدّة َ إلا قليلًا، ودرسهُ في مكّة َ يوم الثلاثاءِ في شرح ِ كتابِ"زادِ المُستقنِع"فإذا قضى منهُ ربّما سافرَ إلى المدينةِ، ويعودُ في الغدِ إلى جُدّةَ ليُلقي فيها درسهُ في شرح ِ كتابِ"سُنن ِ الترمذيِّ"، فإذا فرغَ من درسهِ وانتهى سافرَ إلى المدينةِ مرّة ً أخرى، لأنَّ لديهِ درسًا في المسجدِ النبويِّ يومَ الخميس ِ في شرح ِ كتابِ"عمدةِ الأحكام ِ"، وهكذا حياتهُ، سفرٌ ونصبٌ في سبيل ِ العلم ِ ونشرهِ، على ما يعانيهِ من المرض ِ واعتلال ِ الصحّةِ، وقلّما تجِدُ معهُ رفيقًا في السفر ِ، وذلكَ أنّهُ لا يُحبُّ أن يشقَّ على أحدٍ من طلاّبهِ أو رِفاقهِ، فإن حصلَ وسافرَ معهُ أحدُهم، أخذَ منهُ العهدَ على أن يكونَ الشيخُ هو صاحبَ النفقةِ والزادِ، وأن يكونَ الآخرُ هو الأميرَ، فإن رضيَ بذلكَ فبها ونعمتْ، وإلا فإنَّ عذرَ الشيخ ِ بيّنٌ وواضحٌ في تركهِ.
وهذا يقودُنا للحديثِ عن كرم ِ الشيخ ِ وسخاءهِ، وواللهِ - الذي لا إلهَ إلا هوَ - أنّي لم رجلًا أكرمَ ولا أسخى ولا أجودَ من شيخِنا:
لا تطلبنَّ كريمًا بعدَ رؤيتهِ! إنَّ الكِرامَ بأسخاهم يدًا خُتموا
وقد صحبتُ النّاسَ ورأيتُ غنيّهم وفقيرُهم وعالمهم وجاهلهم وشريفهم ووضيعهم، ولكنّي لم أرَ رجلًا لا يرى المالَ شيئًا، ولا يُبالي بهِ، كشيخِنا، فقد كانَ نفّاحَ اليدِ، كثيرَ الصدقةِ، لا يردُّ سائلًا، ولا ينظرُ فيما يخرجُ من جيبهِ من مال ٍ، بل يمدُّ يدهُ فإن خرجَ الرّيالُ وهبهُ، أو خرجتِ الخمسمائة ُ وهبها، كلّها عندهُ سواءٌ، وأصحابُ الحاجةِ يقصدونَ إلى الشيخ ِ ويتصدّونَ لهُ، لعلمهِم بسخاءِ يدهِ وطلاقةِ وجههِ، ولهُ صدقاتٌ معروفةٌ مُستمرّة ٌ، وصلة ٌ للغرباءِ، ووصلٌ بالأرحام ِ، وكنتُ إذا زرتهُ أكرمني إكرامًا عظيمًا وبالغَ في ذلكَ، وما أتيتهُ إلا وكنتُ في بيتهِ بمنزلتهِ فيهِ، أجلسُ وأنا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)