صبر على خطب يهز الجبال ويقطع الآمال ويخلع الفؤاد ويصدع الأكباد:
رعوا من المجد أكنافًا إلى أجل ... حتى إذا أكملت أظماؤهم وردوا
حثثنا الخطى وامتطينا المطايا حتى قدمنا المسجد وإذا الجموع من كل حدب نسلوا ومن كل صوب نزلوا زرافات ووحدانًا فاصطفوا للصلاة عليه فتذكرت اصطفافهم للسلام عليه صوبت النظر إلى من حضر فإذا الكل ينظر كالرقوب وكأن المقدم يوسف والمصلين يعقوب يتناظرون وقلوبهم من هول ما حل تقشعر ونفوسهم من عظم ما نزل بين الضلوع لا تستقر فالدمع على الخدين واكف والحزن على القلوب عاكف للرزء الهاجم والبلاء الشنيع الكالم فيا لها حسرة ما أنكاها للنفوس الزكية وجمرة ما أذكاها في القلوب الأبية وروعة ما افتها في قوى الأعضاد ولوعة ما أحرها على غضارف الأكباد.
من ذا أعزي فيك من هذا الورى ... لم يلقني إلا بحزنك لاق
والناس محزونون فيك كأنما ... كان اتفاقهم على إصفاق
وقد فرح بعض الوجوه الحقيرة *الطغاة و الحساد* لأن الأسد فارق العرين ولم يعلم هؤلاء الأنذال أن الضرغم خلف الأشبال وسوف تسقيهم بحول الله كأس الوبال وأن موت الشيخ رحمه الله بداية صولاتهم وأن انقطاع صوته مؤذن برفع أصواتهم.
إذا ثبت الماء المعين بحاله ... فليس ثكيرًا أن تفيض الجداول
وفي الخيس أشبال ترشح للعدا ... وأراؤك الحسنى مواضٍ فواضل
ومع أن الطغاة و الحساد لوفاة الشيخ نعموا ففي رؤيتهم للجموع رغموا وليعلم الشامت الحقود والفرح الكنود مع أننا فقدنا حديقة علم صوحت وصحيفة محاسن درست وانمحت إلا أن هاجم الكرب وإن كلح وجلح وواقع الخطب وإن طمح وجمح لا يهزنا فلا يتضعضع منا لهول هذه الصدمة جلَد ولا يتروع لظلمتها خلَد.
فقد فارق الناس الأحبة قبلنا وأعيا دواء الموت كل طبيب وإننا نحمد الله فإن كان سلب عبد له فقد وهب بفضله وإن كان أخذ فقد أعطى وإن كان اخترم فقد أبقى ونحن أصلب عودًا من أن تكسرنا المصائب وأشد ركنًا من أن تضعضعنا النوائب لأننا مستيقنين أن نصرة هذا الدين لم تنط برجال محددين.
أرجع فأقول وبعد انتهاء الصلاة التي تخللها البكاء و النشيج تبع القوم الجنازة كانصراف الحجيج ولكثرة من حضر، من الناس من تذكر يوم الحج الأكبر ومنهم من سارع إلى وهله يوم المحشر، الكل قد أشهر سلاح الدمع خلف سريره ولم يمل من حسن الثناء وتكريره لأن من خواص القلوب الأسف على المحبوب والشيخ رحمه الله مضى حينما لم يبق مشرق ولا مغرب إلا وله فيه مادح وباسمه صادح ثم مضوا به
حتى أتوا جدثًا كأن ضريحه في قلب كل موحد محفور وأنزلوه مستصحبًا أعماله إلى المنزل المهجور والمحل المحبور فالينح على الإسلام نائح وليجبه من جانب القبر صائح وليصرخ بالمجد ناعيه بعد أن نفضت الترب يد مواليه.
سبق الفناء فما يدوم بقاء تفنى النجوم وتسقط البيضاء لو يعلم الترب ما ضم من كرم ونائل وحلم إذا خفت الحلوم غير زائل لطاول السماء وعانق الجوزاء لسعة نفسه وذكاء قبسه ملأ الأفواه طيب ثنائه وملك القلوب بشر لقائه
نرجوا أنه حديقة أنس نقلت إلى جنة قدس والعجب أن الشيخ يوم موته و استشهاده حيي، فحياته عزة وفخر وموته ثناء وذكر:
لم تم أنت إنما مات من لم ... يبق في المجد والمكارم ذكرًا
لست مستسقيًا لقبرك غيثًا ... كيف يضما وقد تضمن بحرًا
عمر الفتى ذكره لا طول مدته ... وموته موته لا موته الداني
وقف الجميع يعزون الأحياء بفراقه ولو استطاعوا لهنئوا الأموات باقترابه.
بنفسي ثرىً ضمنت في ساحة البلى ... لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا
فلو أن عمري كان طوع مشيئتي ... وأسعدني المقدور قاسمتك العمرا
ولو أن حيًا كان قبرًا لميت ... لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا
فإنا لله وإنا إليه راجعون أخذًا بوصاياه وتسليمًا لأقداره وقضاياه وسقاه الله من السلسبيل مثل ما كان يأوي إليه من المذهب السلفي الجميل ونقله إلى رضوانه وحفه بغفرانه وجزاه جزاء المحسنين وأنزله دار المقامة في عليين.
أسترجع فأقول إنا لله وإنا إليه راجعون تسليمًا له فيما قضى وقولًا يوجب عنده الزلفى مع الرضى.
وبعد الإنصراف من دفن من جَدى لفقده أنف المكارم وصدع من شملها المتلائم ففكرت في الدنيا وقد انحسر عنها زينها وفقدت بل فقئت عينها فعصب لهذه الفكرة باللها الريق وحالفني السهر ورادفني التأزيق لقد قرحت الجفون وسال بالدم غربها اللهتون فكتبت والدمع محدور وقد حُم قضاء ونفذ مقدور
أتقدم بالإعتذار ربما سأغيب قليلا لأني أكتب والدمع ينشيء سحائبه والحزن يجهز إلى نفسي كتائبه والصبر قد فلت شباته وصوح نباته والقلب قد ضاقت آفاقه واشتد بنار الرزية احتراقه.
لله ما أعطى و لله ما أخذ كل شيء عنده بأجل مسمى.
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يغفر لشيخي العزيز وأن يرحمه رحمة واسعة وأن يثبته بالقول الثابت وأن يمد له في قبره ... وأن يجعله له روضة من رياض الجنة.
اللهم اعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد , ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله وقه فتنة القبر وعذاب النار ... اللهم آمين
لا تنسوه بدعائكم.
أخوكم
ابو البراء
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)