إن الله قيض فرسانًا يجاهدون أهل الضلال في العراق، بلد الفتن ودار الضرب والوضع، فما من بدعة وفرقة مرقت من هدي السنة إلا والعراق مرتع لها أن لم يكن منبعها.
لقد جعل الله مصب أنهار الإعتقاد السليم والعلم الحكيم والسنة المرضية من مشايخ بغداد في قلب الشيخ عبد الكريم مما صيره ثائرًا على الباطل ناطقًا بالحق آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم، وقد لاقى في طريقه ودربه أذى كثيرًا فقد حدثني غير واحد من تلامذته عنه أنه كان جالسًا في مقهى البيروتي يحث الناس ويدعوهم فبلغ بهم الحماس أن خرجوا في مظاهرة حتى وصلت أمام القشلة، وهي ديوان الحكم ومركز الوالي، هاتفًا بسقوط الأتراك وإقامة دولة إسلامية، و تدرس القرآن باللغة العربية. فأصدرت الأوامر بإلقاء القبض عليه فهرب إلى حلب، فوجد جبارًا من جبابرة الأرض هو الظالم جمال السفاح فخطب في الناس يحرضهم على ظلمه وعدوانه فأمر بإعدامه ففر بدينه إلى نجد العلم والعلماء وحجاز الشرف والفضلاء وبها التقى بمكة بالعلامة المحدث الشيخ عمر بن حمدان المحرسي التونسي ثم المكي والعلامة المحدث الشيخ شعيب بن عبد الرحمن المغربي المكي، والعلامة الفقيه المحدث عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ فكانوا إخوة مترابطين برباط أهل السنة وسالكين طريقة النبيصلى الله عليه وسلم وشاربين من فيوضاتها الربانية وقد تدبج مع أقرانه عمر حمدان وشعيب وعبد اللطيف آل الشيخ، وقد أجاز بمكة: الشيخ محمد ياسين الفاداني، استجاز له شيخه عمر حمدان، كما التقى الشيخ الصاعقة بالعلامة محدث الجامع الأموي بدر الدين بن يوسف الحسني المغربي وقد أجازه،
ورحل الشيخ عبد الكريم رحمه الله إلى الهند والتقى بها أكابر أهل العلم كما أخذ عن العلامة زين الفرقدين حسين بن محسن الانصاري السبيعي.
وكعادته رحمه الله لم يتوقف عن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فأنكر على بعض الصوفية الذين يذكرون ويرقصون ويقومون بالأوراد البدعية في الحرم المكي وعاونه في ذلك رفاقه عمر حمدان وشعيب المكي ووافقهم بأمر من الشريف حسين. وكان في مجلس أحد أفراد العائلة الحاكمة فأنكر عليه اتخاذه النساء جوارٍ من غير حرب، فكاد أن يقتله فأجاره أحد أحفاد آل الشيخ، ونصح الشيخ أن لا يبقى، وفعلًا ذهب إلى الكويت فأرسلت إليه السلطات العثمانية من يقتله فرأى القاتل رجلًا يشبه الشيخ قصير القامة فقتله، وأنجى الله الشيخ!.
وعندما رجع إلى بغداد شوقًا لدياره وأطلالها لم تهدأ ثورته ولم تسكن نفسه فأصدر جريدة الصاعقة، وكان العدد الأول منها في (8/ 5/1911) وكان هو المحرر ورئيس التحرير وصاحب الامتياز الوحيد فيها، وقد صدرت منها أعداد قليلة حيث أقفلتها السلطات العثمانية آنذاك، ومقالات الجريدة يكتبها الصاعقة بأسلوب ساخر منتقدًا بعض الولاة ومخمدًا لبعض الضلالات. كما أثرت عنه حادثة وقعت في مسجد حنان بجانب الكرخ مع خطيب المسجد (المنلا نجم الدين الواعظ) آنذاك، حيث روى في الخطبة حديثًا موضوعًا ونسبه جهلًا إلى صحيح البخاري فهدده الشيخ الصاعقة بالسلاح إن لم يصعد المنبر ويقول: إني كاذب هذا حديث موضوع وهو ليس في البخاري، وفعل الخطيب ذلك خوفًا من الشيخ الصاعقة رحمه الله.
ثم راح الإمام الصاعقة يعظ ويدِّرس في مساجد بغداد وخاصة في جامع (الحيدرخانة) فدرس بها تفسير الخازن وصحيح البخاري حبًا منه في بث الوعي بين الناس لفهم الكتاب والسنة والتمسك بهما. وتعين في وظيفة الإمامة في مسجد المهدية قرب محلة الفضل بجانب الرصافة ببغداد عام (1921) وبعدها انتقل إلى مسجد عثمان أفندي الواقع في سوق الصاغة قرب سوق الوراقين"السراي"بجانب الرصافة ببغداد. عاملًا على هدم الضلال بأنواعه وبناءًا للصرح القويم والمنهج السلفي المستقيم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)