وهكذا أخذ المسيحيون في جميع البلدان الإسلامية يمارسون شعائر دينهم في حرية تامة , حتى بقيت غالبية أهل الشام مسيحية حتى القرن الثالث الهجري , ويذكر بعض المؤرخين أن الدولة الإسلامية كان بها على عهد المأمون أحد عشر ألف كنيسة , وكان المسيحيون أحرار في الاحتفال بأعيادهم علنا , وحجاجهم يأتون آمنين لزيارة الأماكن المقدسة في فلسطين , وبعد أن كان المسيحيون الخارجون على الكنيسة الشرقية يلقون كثيرا من العنت والاضطهاد في بلاد الشام ومصر , إذا بهم يصبحون أحرارا آمنين في ظل الحكم الإسلامي.
كما استخدمت الدولة الإسلامية كثيرا من الموظفين المسيحيين الذين وصل بعضهم إلى أرقى مناصب الدولة , من ذلك أن سرجيوس والد القديس يوحنا تولى منصب خازن بيت المال في عهد عبد الملك بن مروان , كما أن يوحنا نفسه تولى منصبا هاما في حكم دمشق.
وهكذا بلغت الحرية الدينية في ظل الدولة الإسلامية أباحت للنصارى الذين يضعون الصلبان على صدورهم في أن يترددوا على المساجد ليجتمعوا فيها مع إخوانهم المسلمين. (1)
كذلك بلغ من المسلمين في الأندلس أنهم سمحوا لأساقفة النصارى بعقد مؤتمراتهم ومجامعهم الدينية , مثل مجمع أشبيلية الذي عقد سنة782م ومجمع قرطبة الذي عقد سنة 852م هذا إلى أن الأندلس الإسلامية كانت دولة أوربية وحيدة في العصور الوسطى الذي تمتع فيها اليهود بحقوقهم المدنية والدينية كاملة كما تمتعوا برعاية الدولة لهم. (2)
(1) عاشور, سعيد عبد الفتاح: المدنية الإسلامية وأثرها في الحضارة الإسلامية ,ط2 , القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية,1982م , ص206 - 208 , ياغي , إسماعيل أحمد: أثر الحضارة الإسلامية في الغرب ,ط 1،الرياض: مكتبة العبيكان، 1418هـ/1997م , ص105.
(2) لوبون , غوستاف:حضارة العرب , ترجمة: عادل زُعَيتر, د. ن.د. ت. ,ص276 - 277 , عاشور المدنية الإسلامية ,ص208، أوربا العصور الوسطى، جـ2، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1980م،ص 547
وتسامح مثل هذا هو مما لم تصل إليه أوربا بعد ما قامت به في أكثر من ألف سنة من الحروب الطاحنة وما عانته من الأحقاد المتأصلة وما منيت به من المذابح الدامية. (1)
2 -الفتوة: أثبتت الأبحاث والدراسات الأوربية أن الصدارة في هذه الصفة النبيلة المشرفة ثابتة للمسلمين, وكان لها على الغرب أثر بعيد الغور، ولقد أخذ أهل أوربا هذه الصفة من المسلمين وشهد به الغرب بأنفسهم , يقول العالم الفرنسي الجهبذ"فورييل"في كتابه"تاريخ الشعر البروفانسي"هناك ما يدفع المرء إلى استنباط أن عرب الأندلس كان لهم بوساطة مثلهم أثر حقيقي في الحضارة الخلقية والاجتماعية في جنوب فرنسا , وأخص من ذلك في القسم الأكثر سيادة في هذه الحضارة وهو الفتوة"."
وإن تفوق المسلمين على الغربيين في الفتوة وما ينبثق عنها من الفضائل أمر معترف به من الجميع ولإيضاح ذلك يقول الكاتب الإنجليزي"ايستانلية"في كتابه صلاح الدين وتاريخ مملكة أورشليم"إن الذين درسوا تاريخ الحروب الصليبية ليسوا في حاجة إلى أن يتعلموا , أن فضائل الحضارة كالشهامة وكبر النفس وكرم الخلق والتسامح والفتوة الحقيقية والثقافة الرشيقة كانت كلها إبان تلك المكافحات في جانب المسلمين."
وهؤلاء المؤرخون عندما يتحدثون عن الفتوة يعزون إلي المسلمين الفضل في معرفتها , وبتفتح نظامها في أوربا وصقله وترقيته , وتوسيع آفاقه , ويقول في هذا الصدد العالم الفرنسي"بار تيليمي سابنهلير"في كتابه"محمد والقرآن"أنه بسبب مخالطة العرب ومحاكاتهم استطاع أشرافنا في العصور الوسيطة أن يجعلوا طباعهم الفظة لينة , وعرف فرساننا- دون أن يفقدوا شيئا من شجاعتهم ـ عواطف أكثر نبلا ورقة تكون المسيحية وإنسانية, ومن المشكوك فيه أن رغم ما تقدمه من خير هي وحدها التي ألهمتهم هذه الأحاسيس.
ولقد ذهب فريق من المؤرخين إلى أن الفتوة الإسلامية سابقة في نشأتها على الفتوة الغربية , بل يجزم بأن الغرب قبل اتصاله بالمسلمين في أسبانيا لم يكونوا يعرفون شيئا من الفتوة ومن هذا الفريق الكاتب الباحث"هامبريورجستول".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)