ولا ريب أنه محمود بكل خصلة خير صلوات الله وسلامه عليه كما قال حسان:
فذو العرش محمودٌ وهذا محمد
فكفله ست سنين أو أربع سنين ثم مات، وكان يأتي إلى جده وهو في ظل الكعبة فيقربه ويدنيه ويقع في نفس عبد المطلب أن هذا الصغير سيكون له شأن ثم قال r يوم حنين كما بينا آنفًا:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
هذه المقطوعة من السيرة لها دلائل عدة:
· أولها: أن الله تبارك وتعالى هيأ إرهاصًا لمولد نبيه بحدثٍ عظيم هو وقوع حادثة الفيل وهيأ له جدًا
معروفًا في العرب
يتكئ rفي بعض أحواله عليه، ليس توكلًا،ولكن على ما كان من سائر الناس من الفخر بالأجداد مما كان في العرب قديمًا، وإن كان الفخر في نطاق ما هو مشروع جاز في قوله عليه الصلاة والسلام:"أنا ابن عبد المطلب"وإن تجاوز ذلك كره و منع بل قد يصل إلى أن يكون حرامًا كله هذا عبد المطلب جد رسولنا r.
· من هذه المقطوعة من السيرة يُفهم: أن العاقل يعرف الخطوات التي يسيرها،فإن عبد المطلب كان
يعلم أن قريشًا رغم اعتزازها بالبيت تعلم أنه لا سبيل لها إلى أن تقاوم أبرهة، ولا قبل لها بأبرهة، فقال وهو يجمع قريشًا: أنه لا قِبل لنا بحربه.أي بحرب أبرهة، فأسلم أمره إلى الله وقد قيل:"أن الحزم تجرع الغصص حتى انتظار الفرص". فالإنسان العاقل الحكيم يعرف متى يُقدم متى يتأخر متى يتكلم متى يسكت يأخذ هذا من عقول الرجال ومن قراءات التاريخ ومما يراه حوله ودونه من أحوال الناس.
من الأعلام الذين لهم علاقة بشخصيته r: جعفر بن أبي طالب، وجعفر هذا ابن عم رسول الله r فهو أحد خمسة يشبهون رسول الله r في خِلقتهم، وقد قال له النبي:"أشبهت خَلقي وخُلقي". وجعفر أخو علي وأسن منه بعشر سنين تقريبًا، هاجر إلى الحبشة فرارًا بدينه قبل أن يأتي الأذنُ بالهجرة إلى المدينة، فبقي في الحبشة حتى عام السابع من الهجرة يوم خيبر فأقبل أهلُ الهجرة أهل الحبشة الباقون في الحبشة إلى خيبر ورسول الله في خيبر فقدم جعفر على رسول الله r وقد اجتمعت فيه خصال عدة:
· من أوائل المؤمنين.
· ابن عم رسول الله.
· يشبهه في خَلقته.
· من المهاجرين الأولين إلى الحبشة.
· مع زكاة نفس وطيب علم وتعلقًا بالله.
ففرح r فرحًا شديدًا وقبله بين عينيه وقال:"لا أدري بأيهم أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر". كلاهما مفرح، لكن كتب الله أن الابتلاء أعظم ما يكون على الأنبياء فقال الله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [2] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=59#_ftn2) كان هذا في العام السابع وفرحة رسول الله بابن عمه عظيمة بعد انقطاع سنين وكان سن جعفر يومها في الثانية والأربعين تقريبًا،في جمادى من العام الثامن قبل أن يتم عام على قدوم جعفر بعثه النبي r إلى تغوم البلقاء من أرض الشام مع زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحه وثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين فودعهم الناس، وكان رسول الله r فيمن ودعهم، فقتل زيد ثم قتل جعفر ثم قتل عبدالله بن رواحه وهذا في أطراف الشام، فجاء جبريل بالخبر لرسولنا r، فصعد صلوات الله وسلامه عليه المنبر ونعى للمسلمين موت الثلاثة فقال:"أخذ الراية زيد فقتل،وأخذ الراية جعفر فقتل، وأخذ الراية عبدالله بن رواحه فقتل"وعيناه تذرفان صلوات الله وسلامه عليه ثم قال: لأنهم أبناء عمه قال:"اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد آتاهم ما يشغلهم"وأمهلهم ثلاثة أيام حتى آل جعفر يخرج ما في قلبهم من البكاء والحنين على موت أبيهم، وكانت أسماء بنت عميس هي زوجة جعفر ولها صبية عبدالله ومحمد وإخوانهما، بعد ثلاثة أيام دخل r والعرب تسمي ما يذبح في العزاء بالوظيمة كما تسمي ما يذبح في العرس بالوليمة وما يذبح عند بناء الدار بالوكيرة وما يذبح عند قدوم المسافر بالنقيعة، فعمدت جارية يقال لها سلمى من الجواري في بيت النبوة إلى دقيق فطحنته ثم آدمته بزيت ثم وضعت عليه فُلْفُلا ثم قدمته لآل جعفر عملًا بوصية رسول الله r ، بعد ثلاثة أيام دخل عليهم صلوات الله وسلامه عليه قال:"أين أبناء أخي؟"فجِيء بهم كأنهم أفرخ فمسح على رؤوسهم ودعا بالحلاق وأمر الحلاق أن يحلق رؤؤسهم تفاؤلًا لهم بتغير الحال فانظر حكمته وشفقته، فحكمته أمهلهم ثلاثًا، من الصعب أن تبادرهم في الثلاثة الأيام الأول بأي مطلب، فلما سكنت النفوس وهدأت
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)