فقلت لامي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت (1) وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم (2) هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني
بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني.
والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف: * (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) * [يوسف: 18] .
ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي، وأنا أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى يبرئني (3) ببرأتي ; ولكن والله ما ظننت أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني كان في نفسي أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها.
قالت: فوالله ما قام (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خرج أحد من أهل البيت،
(1) من قوله: لامي ... إلى هنا سقط من المطبوع.
(2) كذا الاصل، وهي رواية البخاري، وفي مطبوعة دمشق:"أنكم سمعتم"وهي رواية مسلم وأحمد.
(3) في البخاري ومسلم وأحمد:"مبرئي".
(4) في البخاري ومسلم وأحمد"مارام"أي: فارق، من الريم، وليس من الروم بمعنى الطلب.
سير أعلام النبلاء - (2/ 159)
حتى نزل عليه الوحي ; فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي ينزل عليه.
فلما سري عنه (1) وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها:"يا عائشة، أما والله (2) لقد براك الله"فقالت أمي: قومي إليه.
فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله.
وأنزل الله تعالى: * (إن الذين جاؤوا بالافك عصبة منكم) * [النور: 11] العشر الآيات كلها.
فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة.
فأنزلت: * (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) * [النور: 22] .
قال: بلى والله، إني لاحب أن يغفر الله لي.
فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري.
فقالت: أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا، وهي التي كانت تساميني (3) من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها (4) ، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الافك (5) .
(1) في رواية البخاري: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سري عنه وهو يضحك.
(2) في البخاري ومسلم والمسند: أما الله عزوجل، فقد برأك.
(3) تساميني: تعاليني، من السمو وهو العلو والارتفاع، أي: تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب.
(4) أي: تجادل لها وتتعصب، وتحكي ما قال أهل الافك لتنخفض منزلة عائشة، وتعلو مرتبة أختها زينب.
(5) أخرجه بطوله البخاري 5/ 198، 201 في الشهادات: باب تعديل النساء بعضهن بعضا، = [*]
سير أعلام النبلاء - (2/ 160)
وهذا الحديث له طرق عن الزهري.
ورواه هشام بن عروة، عن أبيه.
قال أبو معشر السندي (1) : حدثني أفلح بن عبد الله بن المغيرة، عن الزهري، قال: كنت عند الوليد بن عبدالملك، فذكر حديث الافك بطوله، وفيه: أن ذاك في غزوة بني المصطلق (2) وأن سهمها وسهم أم سلمة خرج.
وروى معمر، عن الزهري، قال: كنت عند الوليد فقال ك الذي تولى
كبره علي.
فقلت: لا.
حدثني سعيد وعروة وعلقمة وعبيدالله، كلهم سمع عائشة تقول: إن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي.
فقال لي: فما كان جرمه؟ قلت: سبحان الله! حدثني من قومك أبو سلمة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئا في أمري (3) .
يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القصة التي نزل
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)