-على الرغم من أن ابن شداد قد كتب مسودات كتابه في حين وقوعها وفي أثناء حياة صلاح الدين، فإنه كتب مبيضاتها بعد وفاة صلاح الدين وفي السنوات الأخيرة من حياته، بعدما ترك العمل الرسمي، وتفرغ للعلم، قبيل وفاته بأقل من ستة أعوام. يدلنا على ذلك لازمته (رحمه الله) بعد ذكر صلاح الدين الذي توفي عام 589ه* ولازمته (يسر الله فتحه) بعد ذكره لبيت المقدس. مما يعني أنه قد كتب هذا بعدما سلم الملك الكامل بن العادل الأيوبي عام 626ه* القدس إلى قائد الحملة الصليبية السادسة إمبراطور الألمان فريدريك (70) ،
وأضاع جهود عمه صلاح الدين العظيمة في سبيل تحريرها. ولكنها حررت ثانية بعد قليل عام 637ه* بيد الملك الناصر الأيوبي داود أمير الكرك (71) . ثم سلمها للصليبيين مرة أخرى الملك الصالح أيوب والملك الصالح إسماعيل عام 641ه* (72) ، ليحررها ثالثة الملك الصالح نجم الدين أيوب نفسه، الذي كان قد سلمها، بمساعدة الخوارزمية عام 642ه*. وهذا التسليم والتحرير المتكرر والسهل للقدس يدل على أن كلا الطرفين الأيوبي والفرنجي قد ضعف، وأن عهد الملوك الكبار الأقوياء قد ولى.
-أسلوب ابن شداد في كتابه هذا من (السهل الممتنع) ، ولولا وجود بعض الألفاظ الأعجمية التي كانت سائدة آنذاك مثل اليزك (73) والجاليش (74) والمنجنيق (75) والبطسة (76) والنمجاه وغير ذلك من الألفاظ لكان الكتاب يبدو من حيث الأسلوب وكأنه لكاتب معاصر تقريبًا، ولنأخذ مثالًا لذلك قوله في ذكر عيسى العوام
"ومن نوادر هذه الوقعة أن عوامًا مسلمًا كان يقال له: عيسى، وكان يدخل إلى البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلًا على غرة من العدو، وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو .." (77) . وحتى يزداد وضوح إشراق أسلوبه على الرغم من وجود بعض السجع اللطيف أحيانًا قليلة، نقارنه بأسلوب العماد الكاتب الأصفهاني رفيقه في خدمة صلاح الدين،
ولنأخذ مثلًا لذلك هذين السطرين من كتابه (الفتح القسّي في الفتح القُدسي) ، وهو كتاب في تاريخ صلاح الدين أيضًا (لما عرف ملك الإنكتير أن العسكر قد اجتمع، والخرق عليه قد اتسع، وأن القدس قد امتنع، وأن العذاب به وقع، خضع وخشع، وقصّر الطمع .."(78) "
ولقد أثر ابن شداد بأسلوبه السهل الممتنع هذا على تلاميذه وغيره مثل ابن خلكان وابن واصل وأبي شامة.
وربما يظن ظان أن ابن شداد قد دفعه حبه لصلاح الدين إلى أن يبالغ في رسم هذه الصورة المثالية الزاهدة النقية التي قلما شهد لها التاريخ الإنساني مثيلًا، فنرد على ظنه بما كتبه المؤرخون والمستشرقون الغربيون المنصفون عنه، و منهم المستشرق الفرنسي البير شاندور الذي ألف كتابًا عنه، جعل عنوانه (صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقى في الإسلام) (79) . ولعل من المفيد هنا أن أذكّر بآخر الكتب العظيمة التي قرأتها عنه، وهو (صلاح الدين الفارس المجاهد والملك الزاهد المفترى عليه) وهو آخر الكتب التي ألفها د. شاكر مصطفى قبل وفاته رحمه الله (80) .
وأخيرًا إن ابن شداد في كتابه العظيم هذا استطاع أن يرسم لمعاصريه ولمن جاء بعدهم صورة نادرة لقائد فذ، بلغ الغاية في الإيمان الخالص النقي والأخلاق والثقافة والسياسة والقيادة والإدارة والعدل والشجاعة والحكمة والكرم والمروءة والعدل والصبر والوفاء والأناة والإرادة والجهد والحسم والرقة والنبل وعدم اليأس، لم تنسه قوته وانتصاراته تبعيته للخلافة العباسية ببغداد على ضعفها، وبالإضافة إلى ذلك كله نجده ملتزمًا بعادات العرب وكريم أخلاقهم، ويبدو ذلك في قول ابن شداد عنه: (وكان على جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم.) (81) وفي عرضه الإسلام على (أرناط) على الرغم من غدره قبل أن يقتله (82) . إن أخلاق الدعاة الأتقياء الأنقياء المتصلين بالسماء كانت تسبق في قلبه وفعله صفات السلطان والقائد في السلم والحرب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)