عمر طال، فالحاج عمر جاء من نيجيريا، وقد فرأى الدولة التي أقامها أحفاد عثمان فوجي هناك، فأراد أن ينقل التجربة بكل ما فيها، فسعى من أجل إقامة دولة الإسلام في هذه البلاد، فأرسل جيشًا كثيفًا من تلامذته ومريديه وطلابه إلى جنوب النهر، فدعا بدعاية الإسلام في السنغال وفي غامبيا، حتى وصل هو نفسه إلى (بانجول) ، وكان يقيم الحدود أيضًا ما استطاع، وكان يعلم الناس الإسلام، وكان يأخذ أولادهم، ويعطيهم بدل أولادهم نقودًا؛ لأن الناس كانوا قد تعودوا على المادية، فكانوا يبيعون أولادهم للحاج عمر، وهو لا يريد تملكهم، وإنما يريد تعليمهم دين الله تعالى، فإذا تعلموا أرجعهم إلى ذويهم وقال: أنت من قرية كذا فاذهب إلى قريتك، وأنت من قصر كذا فاذهب إلى قصرك، بعد أن تحملوا العلم والدين وتربوا تربية صالحة. وكذلك دعا إلى هذه الدعوة الشيخ محمد المامي في الشمال، وحاول إرجاع الناس إلى إقامة هذه الدولة الراشدة، وإحياء عهد قد سبق في زمن الاستضعاف، وهو العهد الذي قام به الخمسة الذين يسميهم الناس بتشمشة، وهم خمسة رجال، لا يجمعهم نسب، وإنما اجتمعوا في ذات الله، فتعاهدوا على خواتيم سورة الفرقان من قول الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63 - 64] .. إلى آخر الآيات، ودعوتهم ليست مثل الدعوات الأخرى؛ لأنهم لم يريدوا إقامة دولة ولم يحاولوا بيعة رجل، إلا أنهم حاولوا فيما بينهم أن يقيموا بعض هياكل الدولة وبناها التحتية على الأقل، فلذلك قسموا الأرض تقسيمًا عادلًا بينهم، ويقول في ذلك الشيخ محمد المامي: تيامن من تضاعف وانفردنا بثغر لا يقال به منونًا وأقاموا قاضيًا منهم يفصل بين الناس بالعدل، فأقاموا على الأقل بعض البنى، والشيخ محمد المامي أراد أن يدعو الناس إلى بيعة خليفة، وفي ذلك يقول في قصيدته النونية المشهورة:
بلاد العامري لنا اصطفاها ** فبارك ربه فيها وفينا
إلى أن يقول فيها:
فصارت في جزيرتها حجازًا **ونحن لها معدًا آخرينا
نوافي كل طاغية أتانا ** ومسكين بعيد الأقربينا
وننبذ من أتى منا بأمر ** له أهل الشريعة منكرونا
والأفوة قبل لم ينكر عليه ** مصير بلادنا حرمًا أمينًا
إلى أن قال فيها:
إلى كم قولكم مستضعفون ** وأنتم للمعالي تاركونا
بنو العباس ما زالوا كرامًا ** يقتل جمعهم ويصلبونا
إلى أن أدركوا ثأرًا لقرن ** وما أدركتم ثأرًا قرونا
إلى أن يقول:
أطابيل الأنام جفوتموها ** بطبع في الخنازر لن يزينا
وهل فيكم نساء محصنات ** وما كنتم لها يومًا حصونا
وهل حضيت نساء تحت بعل ** إذا كان الرجال مخنثينا
ويقول فيها:
فلم يكتب عليكم من قتال ** ولا قتل على ما تزعمونا
إلى أن يقول:
أثيروا الغرب قبل قيام عيسى ** لعل الله ينعشه سنينا
فيحكم حاكم بالعدل منكم ** فلستم بعده تتقاتلونا
وينفي ظلم بعضكم لبعض **
إلى أن يقول فيها:
فقلتم لا جهاد بلا إمام ** نبايعه فهلا تنصبونا
وقلتم لا إمام بلا جهاد ** يعززه فهلا تضربونا
إذا جاء الدليل وفيه دور ** كفى ردعًا لقوم يعقلونا
فياشمشة أهل الذكر منكم ** سلوا إن كنتم لا تعلمونا
تعين ذاك وليسأل سواكم ** سواهم من يجيب السائلينا
كحرمة أو كباب بني علي ** فإني منهما في الداخلينا
وآل الحاج أنصار كرام ** إلى أولاده جبنة ينسبونا
ـ [أبو زيد الشنقيطي] ــــــــ [28 - 01 - 08, 12:18 م] ـ
ناصر الدين وسياسته المحنكة
الدعوة إلى الله تعالى استمرت في هذه البلاد، ثم جاءت الهجرات من قبل الأندلس عند سقوطها، ومن جهة القيروان وشرق الجزائر من قسنطينة من بني هلال وغيرهم، فلما جاء هؤلاء العرب النازحون من الأندلس ومن القيروان ومن قسنطينة ومن صعيد مصر، جاء معهم بعض العلماء الأفذاذ، وبدأت الحياة العلمية والدعوية تحيا وتنشط من جديد، ولذلك حاول أهل هذه البلاد أن يعيدوا الدعوة إلى ما كانت عليه في زمن المرابطين، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم والعلم أن يبايعوا رجلًا منهم يتفقون عليه جميعًا على إقامة دين الله تعالى وحماية البيضة، فاتفقت كلمتهم على ناصر الدين بن أبي بكر وبايعوه على الخلافة، وقام بالأمر، وساعده رجال من مختلف الطبقات من هذا المجتمع، فكان العرب
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)