أمير دولة آل ملا إسماعيل، فأقام سيدي عبد الله جمعة في تجبجة، وأقام فيها بعض الحدود، وأرسل بعض تلامذته لذلك. وكذلك قام في مختلف هذه البلاد بعض الدعاة الذين رجعوا من بلدان أخرى خارج هذه الأرض، فرأوا ما ينعم به أهل تلك البلاد من الانتساب إلى الخلافة العثمانية، فدعوا لربط الصلة بالخلافة العثمانية الموجودة في الأستانة في استانبول، فخرج وفد منهم لذلك، وما زالت ذراريهم إلى اليوم في استانبول، وأنا قد لقيت شيخًا منهم كبير السن كان جده من الذين وفدوا من هذه البلاد على السلطان عبد الحميد وبايعوه بالخلافة، وهو رجل من البصابيين، ما زال حيًا اليوم في استانبول، وما زالت له زاوية، وما زال له أتباع في تلك البلاد، وقد خرج بفريق كامل لنصرة الخلافة عندما تداعت عليها الدول الصليبية ودول المحور، فأرادوا إسقاط الخلافة العثمانية فذهب هو لإقامة الحجة. ومن هؤلاء أيضًا محمد محمود من تلاميذ الشركصي الذي ذهب أيضًا إلى الخلافة في الأستانة، وأرسله الخليفة في ذلك الوقت إلى النرويج سفيرًا عن المسلمين كلهم للمفاوضة مع ملك النرويج في تسيير قافلة بحرية من الأسطول الإسلامي الذي كان محاصرًا في بحر الشمال المتجمد. وكذلك أحمد الأمين العلوي صاحب الوسيط، فقد كان يصبو للرجوع إلى هذه البلاد، لعل أهلها يعودون إلى بيعة أمير منهم يقف في وجه المستعمر الغاشم الذي بدأ يغزو البلاد، وقد تشبث بعض علماء هذه البلاد ببعض أمراء القبائل الذين كانوا أهل ديانة وعفة، فأرادوا أن ينصبوهم خلفاء؛ فلذلك اجتمعت كلمة بعض علماء (إيجيدي) على أن ينصبوا محمد .... أميرًا لهذه المنطقة على الأقل، فنصب قاضيًا منهم، وكان يقيم الحدود في وقته، فقد أقام حد القصاص على خمسة أشخاص، ولم يكن لديه آلة للقتل غير سكين يذبح به، وكان يقطع الأيدي، ويجلد الحد.
ـ [أبو زيد الشنقيطي] ــــــــ [28 - 01 - 08, 12:12 م] ـ
ومع هذا فإن هذه الدعوات المختلفة لم تشهد وقتًا كانت آكد فيه من وقت مجيء المستعمر الكافر، عندما جاءت فرنسا بأساطيلها تجوب الأرض لاستعمارها، في وقت وصفها عبد الله الأسيطي، في مقدمة كتابه بقوله: وجنادع الروم تجوس وراءنا الأغفال وروعاتها تبين الحواصل الأحبال وهذا وصف دقيق لجيوش الروم في بداية غزوها لهذه البلاد، وإقامتها لمؤسساتها، واستعمارها لهذه الأرض، فلما جاء المستعمر أراد أولًا أن يتصل بأمراء القبائل، فدعوا بعض الأمراء ومنهم: أحمد سالم اللألي وغيره، فقالوا: نحن نريد أن تتفقوا معنا على الحماية، وعلى أن تكونوا خاضعين للدولة الفرنسية، ونحن نقيم بينكم العدل، ونحمي لكم دينكم، ونمنع أيّ فساد يقع، فقال: إني لا أجرؤ على هذا، أخاف أن يكفرني أهل الزوايا، فقالوا: ومن يجرؤ عليه؟ قال: لا يجرؤ عليه إلا رجلان لا يستطيع أهل الزوايا تكفيرهم، فأشار عليهم بالشيخ بابا بن الشيخ سديه والشيخ سعدبوه بن الشيخ محمد فاضل بن الشيخ بن مامي. فالتقى المستعمر بهذين الإمامين، فكان رأيهما قد اتفق على أن أي إصلاح يراد في هذه الأرض لا يمكن أن يتم تحت تلك الظروف والوضعية التي تشهد فيها القبائل إغارات بعضها على بعض، والظلم سافر بين الناس، وأيضًا قد تخلص الناس فيها من كل وسائل النظام، فلم يعد هناك رمز للنظام يمكن الالتفاف حوله، وكان الشيخ بابا بن الشيخ سديا من قبل هذا يسعى لأجل لم شتات الناس وإقامة دولة، ولكنه لم يستطع لكثرة الحروب الأهلية، وكثرة الإغارات بين الناس، فاجتهد هذان الرجلان اجتهادًا قد يكون مصيبًا وقد يكون خاطئًا، وقد يكون وسطًا له حظ من الصواب وله حظ من الخطأ، فاتفقا على أن يأذنا للمستعمر في دخول هذه البلاد، وشرطا عليه اثني عشر شرطًا، واتفقا عليها. وكان جمهور العلماء مخالفين لهذين الرجلين، وأعلنوا الجهاد حتى من غير إمام، ومن غير أمير، ومن غير خليفة، فجاهدوا النصارى جهادًا مستميتًا، وسعوا في حث الناس على الهجرة، وكان اختلافهم في ذلك خلافًا فقهيًا مبنيًا على القواعد، فالشيخ بابا بن الشيخ سديه وكذلك الشيخ سعدبوه يريان أن ارتكاب أخف الضررين والحرامين أولى، وأن التغيير والإصلاح الذي يريدانه لا يمكن أن يتم تحت الظروف الحالية، والمستعمر لا طاقة لهم بقتاله وهم فيما بينهم متناحرون، وأنه إذا أقام لهم الهياكل استطاعوا أن يطردوه عن طريق السياسة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)