وصارت المتفلسفة تحتج على هؤلاء المتكلمة بالحجج التي توجب تناقض قولهم، فيجيبونهم بما يتضمن الترجيح بلا مرجح
الإشارات التي هي مصحف هؤلاء الفلاسفة
والقائلون بالقدماء الخمسة كديمقراطيس ومن اتبعه، كابن زكريا الطبيب الملحد، يقولون بقدم الباري والنفس والمادة والدهر والخلاء.
والرازي قد ذكر في شرح الإشارات من كتبه أن هؤلاء يقولون إن الباري هو الواجب بذاته، وأن النفس وغيرها معلولة له. وذكر هنا / عنهم أنهم يصفون الجميع بوجوب الوجود، وهذا تناقض في نقل أقوالهم.
فنقل الرازي لمقالة أهل الملل، كنقل ابن سينا لمقالات الفلاسفة. فكلا الرجلين لم يذكر في هذا المقام أقوال أئمة الفلاسفة المتقدمين الأساطين، ولا أقوال الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم من الصحابة والتابعين كأئمة المسلمين وعلماء الدين
فإن حجة القائلين بقدم العالم التي اعتمدها أرسطوطاليس وأتباعه كالفارابي وابن سينا وأمثالهما، لا تتم إلا بنفي أفعال الرب القائمة بنفسه، بل وتبقى صفاته [كذا والصواب وبنفي]
ولهذا كان مآل القائلين بنفي أفعال الرب الاختيارية القائمة به في مسألة قدم العالم إما إلى الحيرة والتوقف، وإما إلى المعاندة والسفسطة، فيكونون إما في الشك وإما في الإفك، ولهذا كان الرازي يظهر منه التوقف في هذه المسألة في منتهى بحثه ونظره، كما يظهر في المطالب العالية، أو يرجح هذا القول تارة كما رجح القدم في المباحث المشرقية، وهذا تارة، كما يرجح الحدوث في الكتب الكلامية.
ما بعد الطبيعة
ثابت بن قرة
ثم هذه طريقة أرسطو وأتباعه المشائين: مضمونها أن كل جسم لا يتقوم إلا بطبيعته، ولا تتقوم طبيعته إلا بحركة إرادية، ولا تتقوم تلك إلا بمحبوب معشوق لا يتحرك، ثم إن أرسطو أورد على نفسه سؤالا بأنه يمكن تقدير بطلان طبيعة الجسم الخاصة وبطلان حركته، بانحلاله إلى شيء أبسط منه، فلا يكون المحرك علة لذاته، بل علة للتركيب فقط.
وأجاب بأن البسيط إنما يوجد في الذهن لا في الخارج، وأجاب أتباعه بجواب ثان، وهو أنه يكون فيما انحل إليه قبول والقبول حركة.
وهذا الجواب ساقط، فإنه إذا قدر أن فيه قبولا، لم يجب أن يكون ذلك حركة إرادية شوقية، وإذا لم تكن الحركة إرادية شوقية لم يستلزم وجود محبوب، بل يستلزم وجود فاعل مبدع، وهم لم يثبتوا ذلك.
وهذا مقام يتبين فيه جهل هؤلاء القوم وضلالهم، لكل من تدبر نصوص كلامهم الموجود في كتبهم، الذي نقله أصحابه عنهم، فإنا نحن لا نعرف لغة اليونان، ولم ينقل ذلك عنهم بإسناد يعرف رجاله، ولكن هذا نقل أئمة أصحابهم الذين يعظمونهم ويذبون عنهم بكل طريق، وقد نقلوا ذلك إلينا وترجموه باللسان العربي، وذكروا أنهم بينوه وأوضحوه وقدروه وقربوه إلى أن تقبله العقول ولا ترده، فكيف إذا أخذ كلام أولئك على وجهه؟ فإنه يتبين فيه من الجهل بالله أعظم مما يتبين من كلام المحسنين له.
ولهذا يوجد لابن سينا من الكلام ما هو خير من كلام ثابت بن قرة، ويوجد لأبي البركات صاحب المعتبر من الكلام ما هو خير من كلام ابن سينا، وكلام أرسطو نفسه دون كلام هؤلاء كلهم في الإلهيات.
ثم إذا قيل: إنه محب لشيء منفصل عنه، لزم احتياجه إلى المحبوب، وأما كون مجرد المحبوب هو المبدِع له، الموجب لذاته وصفاته من غير اقتضاء ولا إيجاب ولا إبداع من المحبوب، بل لمحض كونه محبوبا - فهذا مما يعرف ببديهة العقل فساده.
وهم وكل عاقل يفرق بين العلة الغائية والعلة الفاعلة، فالمحبوب يقتضي ثبوت العلة الغائية، ولا بد من علة فاعلية
قال ثابت بن قرة: وأرسطوطاليس ينكر هذا الرأي المجدد. والظن الذي يظنه كثير من الناس من أنه يلزم من رأي أرسطو: أن العالم أبدي، أن يكون غير معلول في جوهره لعلة خارجة عنه - ظن كاذب.
فيلزم أنه [أي الخالق] كان صانعا بالقوة، ثم صار صانعا بالفعل، من غير سبب خارج عنه، إذ الخارج عنه كله على هذا التقدير ممكن مفعول له، ففعله له لو توقف على تأثير فيه لزم الدور.
ثم من جوز أن يوجد الممكن بلا فاعل، فلأن يجوز تغير الواجب أولى وأحرى، لأن هذا فيه مصير ما ليس بشيء شيئا من غير فاعل، فلأن يصير شيئا بفاعل متغير أولى وأحرى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)