ولما كان هذا منتهى كلامهم [الفلاسفة] صار السالكون لطريقهم نوعين: نوعا يقول: لم يثبت واجب الوجود لإمكان علل ومعلولات لا تتناهى ويوردون على إبطال التسلسل ما يقولون: لا جواب عنه، كالآمدي وغيره
وتسلسل المحدثات إذا قدر إلى ما لا يتناهى لا يخرجها عن كونها جميعها محدثة، وأن جميعها مفتقر إلى محدث خارج عنها، والمحدث الخارج عن جميع المحدثات لا يكون إلا قديما، وعلى هذا التقدير فليس فيها معلول قديم أزلي ولا معلول ضروري كما قدره أولئك، حيث قدروا عللا ومعلولات لا تتناهى، كل منها محدث وكل منها ممكن، مع أن الممكن قد يكون ضروريا ممتنع العدم واجب الوجود، فكانوا محتاجين إلى بيان أن الضروري الوجود القديم الأزلي يكون معلولا حتى يكون المجموع من ذلك معلولا، وهذا ممتنع عليهم حيث جمعوا بين النقيضين.
[يفسر كلام ابن رشد] ودليلهم في إثبات واجب الوجود موقوف على إبطال التسلسل وإبطال التسلسل إنما يمكن في المحدثات، لا في الأمور الضرورية التي لا تقبل العدم إذا قدر تسلسلها.
فإنه قد علم بالعقل واتفاق العقلاء أنه يمتنع وجود محدثات متسلسلة كل منها محدث الآخر ليس فيها قديم، فلو ثبت إمكان معلول قديم أزلي لوجب بعد هذا أن يُنظر في امتناع التسلسل وقد تقدم أن التسلسل في ذلك على هذا التقدير لا يمكن إقامة الدليل على امتناعه، فكيف إذا لم يثبت الأصل الذي بنوا عليه كلامهم؟
[ابن رشد] والعجب كل العجب كيف خفي هذا على أبي نصر وابن سينا لأنهما أول من قال هذه الخرافات، فقلدهما الناس ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة لأنهم إذا قالوا إن الكثرة التي في المبدأ الثاني إنما هي مما يعقل من ذاته ومما يعقل من غيره لزم عندهم أن تكون ذاته ذات طبيعتين أعني صورتين فليت شعري أيتهما الصادرة عن المبدأ الأول وأيتهما التي ليست الصادرة.
[ابن رشد] وأخذ المسألة الواحدة بدل المسائل الكثيرة هو موضع مشهور من مواضع السفسطائيين، والغلط في واحد من هذه المبادي هو سبب لغلط عظيم آخر في الفحص عن الموجودات.
وأما تسمية ما هو قديم أزلي يمتنع عدمه ممكنا يمكن وجوده وعدمه، فهذا لا يعرف في عقل ولا لغة، وإن قدر أنه حق فالنزاع هنا لفظي، لكن إذا عرفت الاصطلاحات زالت إشكالات كثيرة تولدت من الإجمال الذي في لفظ الممكن
فإن ابن سينا أدخل في الفلسفة من المعارف الإلهية التي ركبها من طرق المتكلمين، وطرق الفلاسفة والصوفية، ما كسا به الفلسفة بهجة ورونقا، حتى نفقت على كثير من أهل الملل، بخلاف فلسفة القدماء، فإن فيها من التقصير والجهل في العلوم الإلهية ما لا يخفى على أحد.
وإنما كلام القوم وعلمهم في العلوم الرياضية والطبيعية، وكل فاضل يعلم أن كلام أرسطو وأمثاله في الإلهيات قليل نزر جدا، قليل / الفائدة إذا كان صحيحا، مع أنه لا يوصَل إليه إلا بتعب كثير، مع أنه يقول: هذا غاية فلسفتنا ونهاية حكمتنا.
وهو كما قيل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل.
وأن ما في الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة يغني عن هذه الأمور المحدثة وأن سالكيها يفوتهم من كمال المعرفة بصفات الله تعالى وأفعاله ما ينقصون به عن أهل الإيمان نقصا عظيما إذا عذروا بالجهل، وإلا كانوا من المستحقين للعذاب، إذا خالفوا النص الذي قامت عليهم به الحجة، فهم بين محروم ومأثوم.
والذي أحدثه الفلاسفة كابن سينا وأمثاله عن المعتزلة منه ما هو صحيح ومنه ما هو باطل، فالصحيح كقولهم: إن تخصيص شيء دون / شيء بالحدوث في وقت دون وقت لا بد له من مخصص. والباطل نفي الصفات.
وأما تعطيل الصنعة عن الصانع، فهذا ليس قولا معروفا لطائفة معروفة، بل الأمم المعروفون متفقون على أن الصنعة لا بد لها من صانع. وهذا ضروري في العقل.
وعلى قولكم: الحوادث دائما تحدث، وليس لها صانع، فإن العلة التامة في الأزل لا يحدث عنها شيء أصلا. وأيضا فإن الحوادث مختلفة في / صفاتها ومقاديرها، كما أن الفلك مختلف في صفته وقدره.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)