يختلف مذهب الأشاعرة عن مذهب أهل السنة والجماعة في النبوات اختلافا بعيدًا، فهم يقررون أن إرسال الرسل راجع للمشيئة المحضة -كما في الفقرة السابقة- ثم يقررون أنهلا دليل على صدق النبي إلا المعجزة لكنها لا تكون مقرونة بإدعاء النبوة والتحدي، قالوا: ولو ادعى الساحر أو الكاهن النبوة لسلبه الله معرفة السحر رأسًا وإلا كان هذا إضلالا من الله وهو يمتنع عليه الإضلال .. إلى آخر ما يقررونه مما يخالف المنقول والمعقول، ولضعف مذهبهم في النبوات مع كونها من أخطر أبواب العقيدة إذ كل أمورها متوقفة على ثبوت النبوة أغروا أعداء الإسلام بالنيل منه واستطال عليهم الفلاسفة والملاحدة.
والصوفية منهم كالغزالي يفسرون الوحي تفسيرا قرمطيًا فيقولون هو إنتقاش العلم الفائض من العقل الكلي في العقل الجزئي (35) .
أما في موضوع العصمة فينكرون صدور الذنب عن الأنبياء ويؤولون الآيات والأحاديث الكثيرة تأويلا متعسفًا متكلفًا كالحال في تأويلات الصفات. (36)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
35 -انظر الإرشاد: 306، 356، غاية المرام 318، الرسالة اللدنية: 1:114 - 118 (من مجموعة القصور العوالي) .
36 -نهاية الأقدام: 370، شرح الكبرى: 429، غاية المرام 234، المواقف 323، مجموع الفتاوى 8/ 432 - 436، التسعينية: 247.
الفهرس
التحسين والتقبيح
العاشر: التحسين والتقبيح:
ينكر الأشاعرة أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح ويقولون مرد ذلك إلى الشرح وحده، وهذا رد فعل مغال، لقول البراهمة والمعتزلة أن العقل يوجب الحسن وقبح القبيح، وهو مع منافاته للنصوص مكابرة للعقول، ومما يترتب عليه من الأصول الفاسدة قولهم أن الشرع قد يأتي بما هو قبيح في العقل فإلغاء دور العقل بالمرة اسلم من نسبة القبح إلى الشرع مثلا ومثلوا لذلك بذبح الحيوان فإنه إيلام له بلا ذنب وهو قبيح فيا لعقل ومع ذلك أباحه الشرع، وهذا في الحقيقة قول البراهمة الذين يحرمون أكل الحيوان فلما عجز هؤلاء عن رد شبهتهم ووافقوهم عليها أنكروا حكم العقل من أصله وتوهموا أنهم بهذا يدافعون عن الإسلام.
كما أن من أسباب ذلك مناقضة أصل من قال بوجوب الثواب والعقاب على الله بحكم العقل ومقتضاه. (37)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
37 -المصادر السابقة.
الفهرس
التأويل
الحادي عشر: التأويل:
ومعناه المبتدع صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى احتمال مرجوح لقرينه فهو بهذا المعنى تحريف للكلام عن مواضعه كما قرر ذلك شيخ الإسلام.
وهو أصل منهجي من أصول الأشاعرة وليس هو خاصًا بمبحث الصفات بل يشمل أكثر نصوص الإيمان خاصة ما يتعلق بإثبات زيادته ونقصانه وتسمية بعض شعبه إيمانًا ونحوها وكذا بعض نصوص الوعد والوعيد وقصص الأنبياء خصوصًا موضوع العصمة، وبعض الأوامر التكليفيه أيضا.
وضرورته لمنهج عقيدتهم أصلها أنه لما تعارضت عندهم الأصول العقلية التي قرروها بعيدًا عن الشرع مع النصوص الشرعية وقعوا في مأزق رد الكل أو أخذ الكل فوجدوا في التأويل مهربا عقليا من التعارض الذي اختلقته أوهامهم ولهذا قالوا إننا مضطرون للتأويل وإلا أوقعنا القرآن في التناقض. وأن الخلف لم يؤولوا عن هوى ومكابرة وإنما عن حاجة واضطرار؟ فأي تناقض في كتاب الله يا مسلمون نضطر معه إلى رد بعضه أو الإعتراف للأعداء بتناقضه؟
وقد اعترف الصابوني بأن في مذهب الأشاعرة"تأويلات غربية"فما المعيار الذي عرف بها لغريب من غير الغريب؟
وهنا لا بد من زيادة التأكيد على أن مذهب السلف لا تأويل فيه لنص من النصوص الشرعية إطلاقا ولا يوجد نص واحد -لا في الصفات ولا غيرها- اضطر السلف إلى تأويله ولله الحمد، وكل الآيات والأحاديث التي ذكرها الصابوني وغيره تحمل في نفسها ما يدل على المعنى الصحيح الذي فهمه الصلف منها والذي يدل على تنزيه الله تعالى دون أدنى حاجة إلى التأويل.
أما التأويل في كلام السلف فله معنيان:
(1) التفسير كما تجد في تفسير الطبري ونحوه"القول في تأويل هذه الآية"أي تفسيرها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)