و هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: (فإنه بعد معرفة ماجاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعو أحدًا من الأموات و لاالصالحين و لاغيرهم لا بلفظ الاستغاثة و لا بغيرها و لا بلفظ الاستعاذة و لا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت و لا إلى ميت و نحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور و أن ذلك من الشرك الذي حرمه الله و رسوله، لكن لغلبة الجهل و قلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه [مختصرًا من: الاستغاثة الكبرى: 1/ 629 و ما بعدها] .
و قد صرَّح في مقام آخر باشتراط قيام الحجة على الجاهل قبل الحكم بكفره، فقال رحمه الله: (و الاستغاثة بالرسول؛ بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم كما أنه يستغاث بغيره بمعنى أن يطلب منه ما يليق به، و من نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به و إما مخطئ ضال و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول عليه الصلاة و السلام فهي أيضًا مما يجب نفيها، و من أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها) [الاستغاثة الكبرى: 1/ 298] .
و لولا الإطالة لتتبعت و جمعت الكثير من أقوال السلف و الخلف في تقرير العذر بالجهل في أصول الدين فضلًا عن فروعه، و لكن بشرطه، و حسبنا في هذا المقام ما قدَّمنا، و هو المذهب الصحيح الذي تشهد له الأدلة النقلية و العقلية، و منها:
أوَّلًا: ما رواه الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ - أي رزقه - اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ؛ فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ قَالَ مَخَافَتُكَ فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ).
و في رواية عند مسلم، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: (أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَىَ نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَىَ بَنِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَواللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي، لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلأَرْضِ: أَدِّ مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَىَ مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ! أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ! فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ) .
قال الحافظ في الفتح: (قال الخطابي: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له و هو منكر للبعث و القدرة على إحياء الموتى؟ و الجواب: أنه لم ينكر البعث و إنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، و قد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله. قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك) .
قال أبو محمد بن حزم: (فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز و جلّ يقدر على جمع رماده و إحيائه، و قد غفر الله له لإقراره، و خوفه، و جهله) [الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3/ 141] .
قلت: و ذهب بعض شراح الحديث إلى تأويل قوله: (لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي) فأبعد النجعة، و صرف النص عن ظاهره بلا قرينة صارفة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)