وحاصل القول فيه: أنه صدوق يهم ويخطئ، ويأتي بالمناكير، ولا سيما في التشيع، فإنه كان غاليًا [في المطبوعة غالبًا] فيه؛ ومثل هذا يُتوقف عما انفرد به، ويردّ ما انفرد به مما [في المطبوعة بما] فيه تهمة تأييد لمذهبه؛ وقد تفرد بهذا الحديث كما ذكره الذهبي وكذا الحافظ ابن حجر في مقدمة"الفتح"؛ وفي هذا الحديث تهمة تأييد مذهب غلاة الرافضة في الاتحاد والحلول، وإن لم ينقل مثل ذلك عن خالد؛ وقد أسندت إلى هذا الحديث بدع وضلالات تصطك منها المسامع؛ والله المستعان.
وفي سنده أيضًا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وحاصل كلامهم فيه أنه صدوق يخطئ.
وقال الحافظ في (الفتح) بعد أن نقل كلام الذهبي [أي في الحديث وراويه خالد] والكلام في شريك: (ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلًا) (فتح الباري) ج11 ص270.
ثم ذكر الحافظ تلك الطرق، وعامتها ضعاف؛ إلا أنه ذكر أن الطبراني أخرجه من طريق يعقوب بن مجاهد عن عروة عن عائشة، وأن الطبراني أخرجه عن حذيفة مختصرًا، قال: وسنده حسن غريب.
أقول: أما رواية حذيفة، فمع الغرابة، هو [يعني الحديث] مختصر؛ وكأنه ليس فيه تلك الألفاظ المنكرة؛ وينبغي [أي مع ذلك] النظر في سنده [أي فلا يكفي الاعتماد على تحسين الحافظ] فإن الحافظ ربما تسامح في التحسين.
وكذا ينبغي النظر في سند الطبراني إلى يعقوب بن مجاهد، فأخشى أن يكون فيه وهم، والمشهور رواية عبد الواحد بن ميمون عن عروة، وعبد الواحد متروك الحديث.
وبالجملة فاقتصار الحافظ على قوله (إن تلك الطرق يدل مجموعها على أن له أصلًا) ظاهر في أنه ليس في شيء منها ما يصلح للحجة، ودلالة مجموعها على أن له أصلًا لا يكفي [في] إثبات هذه الألفاظ المنكرة.
ولا يدل إيراد هذه الألفاظ [على] ما يزعم الملحدون [يعني المشبهة المجسمة، أو الطاعنين في الإسلام أو في السنة أو في (صحيح البخاري) بمثل هذا الحديث] .
[فإن قيل] : لِم ذكر [البخاري] هذا الحديث في (صحيحه) ؟ وهذا من المهمات [كذا، ولعل الصواب (وغيرَ هذا من المشتبهات) أو نحو ذلك] ، [قيل: إنما رواه وأراد به معنى صحيحًا] فإن كثيرًا من الأئمة قد يقبل الحديث لأنه يحمله [في الأصل يتحمله] على معنى له شواهد وعواضد، بمعونتها يستحق [في الأصل ليستحق] القبول، فيجيء بعض الناس [فـ] يحتج بالحديث على معنى منكر، قائلًا: قد قَبِله فلان من الأئمة! فليتنبَّه لهذا.
ومما ينبغي التنبه له أيضًا أن الشيخين - أو أحدهما - قد يوردان في (الصحيح) حديثًا ليس بحجة في نفسه، وإنما يوردانه لأنه شاهد لحديث آخر ثابت؛ ثم قد يكون في هذا الحديث - الذي ذكراه شاهدًا - زيادةٌ لا شاهدَ لها؛ فيجيء مِن بعدهما [في الأصل (بعدها) ] مَن يحتج به بالنسبة لتلك الزيادة؛ وربما حمل [أي ذلك المحتجُّ] الحديثَ على معنى آخر غير المعنى الذي فهمه صاحب (الصحيح) و [الذي] بنى [أي صاحب الصحيح] عليه أنه شاهد للحديث الآخر.
ومن أهل زماننا وما قرب منه من يترقى فيذكر الراوي وبعض ما قيل فيه من جرح أو تعديل، ولكن كثيرًا منهم أو أكثرهم يكون زمامه بيد الهوى، فإن كان الحديث موافقًا له نقل ما قيل في الرجل من الثناء وأعرض عما قيل فيه من الجرح؛ وإن كان مخالفًا لهواه نقل ما قيل فيه من الجرح وسكت عن الثناء؛ وأكثرهم ليس عندهم من التبحر في العلم وممارسة الفن ما يؤهلهم للترجيح ومعرفة العلل.
وأعظم ما عند أحدهم أن يتمسك بظاهر قاعدة من قواعد الفن؛ فإن كان الحديث موافقًا تمسك بقولهم: إن الجرح لا يقبل إلا مفسرًًا، أو: إن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يلتفت إليه، أو إن المتصلب في مذهب يجب التأني في قبول كلامه في أهل المذهب الآخر؛ أو نحو ذلك.
وإن كان مخالفًا له تمسك بقولهم: الجرح مقدم على التعديل، ونحوها.