وحملت دولة المماليك راية الجهاد ضد التتار الذين كانوا قد اجتاحوا المشرق وأسقطوا بغداد واستباحوا مدن الشام ... وقرعوا أبواب مصر، فنهض لهم سلطانها المملوكي المجاهد (قطز) الذي لم يفت له سلطان العلماء بالأخذ من أموال العامة لشراء السلاح، إلا بعد أن وضع ماله وأخذ مال أمراء المماليك لذلك الغرض. فأفتاه وحرض المسلمين على الجهاد في مصر والشام وكانت موقعة عين جالوت أول هزيمة استراتيجية للتتار .. أدت إلى بداية تراجعهم.
وخلف الملك الظاهر بيبرس قطز على السلطان بعد أن اغتاله وهم عائدون من عين جالوت ليظفر بالملك وبهجة النصر! ومع ذلك حمل بيبرس مسؤولية جهاد الصليبيين في الشام زهاء 27 ، إلى أن أجلاهم عن آخر حصونهم. حيث تم الجلاء الكامل في عهد السلطان خليل بن قلاوون وانتهت بذلك الحملات الصليبية الأولى (1291) .
والمستخلص من مسار هذه الحملات دروس وعبر كثيرة وما يخصنا لهذا البحث هو معرفة ما كان من أمر المرجعيات التي تولت إدارة المواجهة في الطرف الإسلامي:
1 -المرجعية السياسية: كانت غائبة ابتداء. ثم تكونت عبر الزنكيين ثم الأيوبيين ثم المماليك.
2 -المرجعية الدينية: تولت المواجهة إلى أن قامت المرجعية السياسية. ثم وقفت ردءا لها إلى نهاية المواجهة.
3 -المرجعية الاجتماعية: وقفت إلى جانب المرجعيتان. واكتمل النصاب، فواجهت الأمة الإسلامية أمة الصليبيين.
و كانت معادلة المواجهة في الحملات الصليبية الأولى باختصار:
أمة الإسلام × أمة الصليب = انتصرت أمة الإسلام
لم تواجه أمة الإسلام بشرائح قليلة، ولا بعصابات صغيرة، ولا بتنظيمات محدودة لا سرية ولا علنية ... لقد وقفت الأمة بكاملها للحملات الصليبية وهزمتها. ولم يعطل صراع الأمراء والسلاطين على الملك ولا خور عامة الأمة وقعودها عن الجهاد.