إن الذين ينتظرون من حفنة من الضباط أن يقيموا لهم دين الله في الأرض وهم يصدرون لهم الأوامر لهم أثناء معافسة الأولاد والنساء و الانشغال بِِعَدِّ الأموال وتسجيل العقارات ، هؤلاء يظنون أن إقامة المجتمعات وتغيير النفوس والأشخاص والقلوب وبناء الأرواح وصقلها يتم بهذه السهولة وبهذا الرخص من التضحية!!
5 -إن المعركة والجهاد في سبيل الله هي التي تفرز القيادات، وتبرز الرجال من خلال التضحيات. إ ن قدر أبي بكر بين المسلمين بحيث أن انتخابه كان بشبه إجماع ، لم يأت مصادفة ولا اعتباطا ، وإنما أبرزت أبا بكر الأحداث وميزته التضحيات ، ورفعته المواقف والمحن والملمات ، ولذا قال عمر يوم تبوك ، بعد أن جاء بنصف ماله، ورأي أن أبا بكر قد جاء بماله كله ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله: ماذا تركت لأهلك؟ قال: (تركت لهم الله ورسوله) ! عندها قال عمر: ما تسابقت أنا وأبو بكر في مسألة إلا سبقني أبو بكر. ولم يكن أبو بكر بحاجة إلى دعاية انتخابية، ولا للاشتراك في قائمة مرشحين ، لأن قدره كان قد برز أثناء المسيرة ، وعلى طول الطريق، فلم يعد بحاجة إلى شراء الضمائر بالأموال ، ولا إلى تضليل النفوس ببريق الإعلام وتلميع الأعمال.
إن المجتمعات الراكدة كالماء الراكد ، لا يطفو عليها إلا العفن والطحالب و الأشنات. فقيادة المجتمعات الراكدة التي لا تتحرك للقتال تطفو متعفنة فاسدة ، وأما المجتمع المجاهد فإنه كالماء المتحرك والنهر الجاري، يأبى أن يحمل العفن أو أن يطفو على وجهه الخبث.