وأما قصته مع محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبد الله ، فإنهما خرجا على المنصور ، وذكر المكي في المناقب (2/ 84) أن أبا حنيفة كان يحض الناس على إبراهيم ويأمرهم بإتباعه ، وذكر قبل ذلك أنه كان يفضل الغزوة معه على خمسين حجة ، وذكر الكردي في مناقبه (2/ 22) أن الإمام أبا حنيفة منع الحسن بن قحطبة أحد قواد المنصور من الخروج إلى إبراهيم بن عبد الله ، ويقال: إن المنصور سم أبا حنيفة من أجل هذا ، حتى توفى رحمه الله.
وكذلك قصة سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه مع يزيد بن معاوية معروفة ، وخرجت جماعة من المتقين على الحجاج بن يوسف.
فالذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه بعد مراجعة النصوص الشرعية وكلام الفقهاء والمحدثين في هذا الباب - والله أعلم - أن فسق الإمام على قسمين:
-الأول ما كان مقتصرا على نفسه ، فهذا لا يبيح الخروج عليه ، وعليه يحمل قول من قال: إن الإمام الفاسق أو الجائر لا يجوز الخروج عليه.
-والثاني: ما كان متعديا وذلك بترويج مظاهر الكفر ، و إقامة شعائره ، وتحكيم قوانينه ، واستخفاف أحكام الدين ، والامتناع من تحكيم شرع الله مع القدرة على ذلك لاستقباحه ، وتفضيل شرع غيرالله عليه. فهذا ما يلحق بالكفر البواح. ويجوز حينئذ الخروج بشروطه.
وأحسن ما رأيت في هذا الموضوع كلام نفيس لشيخ مشايخنا حكيم الأمة أشرف علي التهانوي رحمه الله رسالته"جزل الكلام في عزل الإمام"وإنما مطبوعة في المجلد الخامس من إمداد الفتاوى (ص119 إلى 131) .
وإن خلاصة ما ذكره رحمه الله في تلك الرسالة أن الأمور المخلة بالإمامة على سبعة أقسام:
القسم الأول: أن يعزل الإمام نفسه بلا سبب ، وهذا فيه خلاف ، كما في شرح المقاصد (2/ 282) .