وليس العمل مقصورا على عمل الجوارح بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح وأعمال الجوارح تبع إلا أن يضمن قوله يستحله بمعنى يعتقده أو نحو ذلك.
وقوله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله إلى آخر كلامه ... رد على المرجئة؛ فإنهم يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف. فإنهم يقولون نكفر المسلم بكل ذنب أو بكل ذنب كبير. وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة فلا يبقى معه شيء من الإيمان. لكن الخوارج يقولون يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر. والمعتزلة يقولون يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، وهذه المنزلة بين المنزلتين. وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار. وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال لكن في الاعتقادات البدعية وإن كان صاحبها متأولا. فيقولون يكفر كل من قال هذا القول لا يفرقون بين المجتهد المخطئ وغيره ، أو يقولون يكفر كل مبتدع وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة. فإن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. ونصوص الوعد التي يحتج بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك.
والكلام في الوعيد مبسوط في موضعه وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ وأهل الكبائر في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون. والمقصود هنا أن البدع هي من هذا الجنس فإن الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا لكن تأول تأويلا اخطأ فيه ، إما مجتهدا وإما مفرطا مذنبا. فلا يقال إن إيمانه حبط لمجرد ذلك ، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي. بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة.