الصفحة 27 من 183

ولديه مفهوم واضح عن البلاغة، فعندما سأله تلميذه وربيبه ابن الأعرابي عن الإيجاز قال: هو حذف الفضول وتقريب البعيد (1) ، ومع ذلك فإنه كان دائم التسآل عن مفهوم البلاغة لدى الآخرين وخاصة الأعراب (2) .

وهو - كأقرانه من العلماء الرواة - يستطيع أن يميز المنحول من الأصيل، فإذا مر به هذا البيت المدرج في قصيدة عمرو بن كلثوم:

ليستلبن أبدانًا وبيضًا ... وأسرى في الحديد مقيدينا قال: ليس هو من هذه القصيدة (3) ؛ فإذا غمض عليه المنحول من الصحيح في شعر عدي بن زيد، فذلك ليس غريبًا، لا سيما وهو مخلص (( لمدرسة الكوفية ) )التي لم تكن تتشدد في قبول الاتساع في رواية الشعر.

ومع هذا الاطلاع الواسع على التراث الشعري، والنظرة الناقدة، فإنه - شأن غيره من الرواة - لم يبرأ من التصحيف؟ والتصحيف في حقيقته يدل على اجتهاد في القراءة والتأويل معًا، وإذا كان مرجوجًا في هذين الأمرين - أعني القراءة والتأويل - فهو لا يدل على جهل الراوي إطلاقًا. وقد أشرت إلى نموذج من تصحيفاته فيما تقدم، أما سائر ما أخذ عليه فيمكن تلخيصه فيما يلي (4) .

1 -قرأ بيت الأعشى:

ساعة أكبر النهار كما ... شد محيل لبونه إعتاما وصوابه (( مخيل ) )- بالخاء المعجمة - أي رأى خالًا من السحاب فخشي على بهمه أن تفرق للمطر أو يضر بها فشدها، وأكبر النهار ضحى النهار.

(1) البيان والتبيين 1: 97.

(2) المصدر السابق نفسه، وانظر بهجة المجالس 1: 71.

(3) شرح القصائد السبع: 423.

(4) قد اتبعت في ترتيب هذه الصحيفات العسكري: 134 وما بعدها لأنه أوسع المصادر في هذه القضية، وانظر التنبيه لحمزة: 69 - 73 والمزهر 2: 363، 366، 371 واللسان (كبر) ونزهة الألباء 36، والخصائص 3: 287، 306 درة الغواص: 135 وأضداد ابن الأنباري: 145 والمصون: 191 - 193 والحيوان 4: 25 - 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت