بكتابه حتى أتى به عامله فقتله، ومضى المتلمس حتى لحق بملوك جفنة بالشأم، فقال في ذلك المتلمس (1) :
من مبلغ الشعراء عن أخويهم ... نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حبائه المتلمس
ألقى صحيفته ونجت رحله ... (2) عنس مداخله الفقارة عرمس
زعموا أن أخوين (3) كانا فيما مضى في ابل لهما فأجدبت بلادهما، وكان قريبًا منهما وادٍ فيه حية قد حمته من كل واحد، فقال أحدهما للآخر: يا فلان لو أني أتيت هذا الوادي المكلىء فرعيت فيه ابلي وأصلحتها، فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحية، ألا ترى أحدًا لم يهبط ذاك الوادي إلا أهلكته؟ قال: فو الله لأهبطن، فهبط ذلك الوادي فرعى إبله به زمانًا، ثم إن الحية لدغته فقتلته، فقال أخوه: ما في الحياة بعد أخي خير ولأطلبن الحية فأقتلها أو لأتبعن أخي، فهبط ذلك الوادي فطلب الحية ليقتلها، فقالت: ألست ترى أني قتلت أخاك، فهل لك في الصلح فأدعك بهذا الوادي فتكون به وأعطيك ما بقيت دينارًا في كل يوم، قال: أفاعلة أنت؟ قالت: نعم، قال: فإني أفعل، فحلف لها وأعطاها المواثيق لا يضيرها، وجعلت تعطيه كل يوم دينارًاُ فكثر ماله ونبت إبله، حتى كان من أحسن
(1) الأغاني 23: 544 وديوان المتلمس (القصيدة رقم: 9) .
(2) العنس: الناقة القوية، العرمس: الصلبة.
(3) قصة الحية وردت عند ابن قتيبة في الشعر والشعراء: 96 (نقلًا عن المفضل) والميداني 2: 61 (( كيف أعاودك وهذا أثر فأسك ) )وانظر الدميري 1: 73 وهي قصة تتردد خارج نطاق الأدب العربي، فنجد شبيهًا لها عند ايسوب (دالي رقم 51) وملحق بابريس رقم: 573، ويقال أنها ترجع إلى أصل هندي؛ وقد عرضت لها بشيء من التفصيل في كتابي (( ملامح يونانية ) )ص 73 - 75.