الصفحة 17 من 183

طلب إلى المفضل أن يزوده بكتب يتسلى بها ويطرد ما يعتريه من ضيق صدر أثناء وحدته، فأتاه المفضل بشيء من أشعار العرب، فاختار منها قصائد - عددها سبعون - وكتبها مفردة في كتاب، فأخذها المفصل وصدر بها اختياره وزاد عليها قصائد أخرى (1) . وتحاول هذه الرواية أن تجد ما يؤيدها عن طريقين أولهما: إبراز دور إبراهيم في حفظ الجيد من الشعر والتمثل به - كما أشرت من قبل - حتى أنه نال إعجاب المفضل نفسه، وثانيهما أنها منقولة عن أبي عكرمة الضبي) ؛ بل إن إقرار المفضل بدور إبراهيم يأخذ سياقًا أشد حين يتأدى على النحو الآتي: (( قال العباس بن بكار الضبي، قلت للمفضل الضبي: ما أحسن اختيارك للأشعار، فلو زدتنا من اختيارك، فقال: والله ما هذا الاختيار لي، ولكن إبراهيم بن عبد الله بن حسن استتر عندي فكنت أطوف وأ"ود إليه بالأخبار فيأمرني ويحدثني، ثم حدث لي خروج إلى ضيعتي أيامًا فقال لي: اجعل كتبك عندي لأستريح إلى النظر فيها، فجعلت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر وأعلمهم به، فجمعته وأخرجته فقال الناس: اختيار المفضل ) ) (2) ."

وليس من العسير أن نجعل الروايتين متكاملتين، ونقول أن لإبراهيم الفضل في (( التأشير ) )على تلك القصائد، وأن المفضل وجد الفرصة سانحة حين كان يؤدب المهدي ليلقيها عليه، وأن أبا جعفر المنصور كان يجهل القصة، فلما سمع قصيدة المسيب واستحسنها اقترح القيام باختيار قصائد جياد يحفظها ابنه، فطابق ذلك ما كان لدى الفضل، ولا تصادم بين الروايتين إلا في إشارة المنصور إلى اعتماد شعر المقلين، إذ كيف طابق هذا ما كان إبراهيم نفسه قد فعله؟ إن مثل هذا التطابق يبدو مستغربًا. فإذا حذفنا هذه الإشارة التي تفسر طبيعة المفضليات - كما عرفت من بعد - تسنى للروايتين تكامل تام.

(1) مقاتل الطالبيين: 338 - 339، 373 وشرح النهج 3: 308.

(2) انباه الرواة 3: 304 والمزهر 2: 319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت