"أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي وهو جاهلي:"
بكرت تلومك قبل وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي" (1) ولكن المفضل - على ما ناله من منزلة لدى البصريين - لم يسلم من نقدهم له، ولنا أن نحمل بعض ذلك النقد على المنافسة بين البلدين وعلمائهما، وعلى اختلاف المنهج في الرواية، وعلى المماحكات الآنية بين المتعاصرين، ولكن لا ريب في أن بعض ما أخذوه عليه كان حقًا، فقد وجدوا لديه تخليطًا كثيرًا في شعر عدي (2) ، أي أنه لم يستطع تمييز المنحول فيه من الأصيل، (ولكن هذا نفسه هو ما أصاب خلفًا الأحمر الذي شهد له رواة عصره ونقاده بأنه كان أفرس الناس ببيت شعر) ؛ وخالفوه في بعض الصيغ اللغوية إذ وجدوه مثلًا يقول: العناصي جمع عنصية، بينما ذهب الأصمعي إلى أنها جمع عنصوة (3) ، وسألوه عن معاني بعض الألفاظ فوجدوه لا يعرفها، مثل لفظة الكرادي (4) ؛ بل اتهمه أبو عبيدة بالوضع؛ فقد أنشد المفضل هذا الرجز:"
أي قلوص راكب تاها ... طاروا عليهن فشل علاها
وأشدد بمنتي حقب حقواها ... ناجية وناجيًا أباها قال أبو حاتم: سألت عن هذه الأبيات أبا عبيدة فقال: انقط عليه، هذا صنعه المفضل (5) ؛ ولا يبعد أن يكون هذا من ظنون أبي عبيدة الذي كان سريعًا إلى الذم.
(1) النوادر: 2 وانباه الرواة 2: 34.
(2) طبقات فحول الشعراء: 140.
(3) النوادر: 144، والعنصوة: البقية من المال؛ وأثبت في اللسان الوجهين.
(4) النوادر: 143؛ ويبدو أنه ظل مجهولًا فلم يورد صاحب اللسان فيه شيئًا.
(5) النوادر: 58، 164.