الأول: أن تكون الآية من باب التمثيل، وضرب المثل، (كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانًا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدًا صالحًا سويًا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك. فلما آتاهما الله ولدًا صالحًا سويًا، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام. ثم قال تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه الله عن ذلك الشرك.)
قال الرازي: (وهذا جواب في غاية الصحة والسداد.)
ثم ذكر التأولين الآخرين، وهما دون هذا التأويل في القوة، وفي بعض ما ذكر فيهما تكلفات ظاهرة.
والتأويل الأول - الذي حكم عليه بأنه في غاية الصحة والسداد - في معنى القول الثالث، وهو أن المراد الجنس.
ولم يذكر القول الأول الذي اعتمده ابن القيم. ( [12] )
وذكر القرطبي الأقوال الثلاثة في تفسير الآية، واعتمد القول الذي اعتمده ابن القيم، وذكر أنه هو القول الذي يعوّل عليه، وحكم عليه بالحُسن. ( [13] )
ووافق أبوحيان ابنَ عطية في أكثر ما أورده في تفسير هذه الآيات، وأضاف أقوالًا أخرى، ونبّه على أن الكلام يتسق على القول الثالث، وعلى القول بأن المراد بالآية مشركو العرب، أو قريش خاصة. قال: (وأما من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء، أو جعل الخطاب لمشركي العرب، أو لقريش ... فيتّسق الكلام اتساقًا حسنًا من غير تكلف تأويل، ولا تفكيك.) ( [14] )
ويعتبر ابن كثير فارس الميدان في هذه المسألة، فقد بدأ بذكر ما ورد في تفسير الآيات من أحاديث وروايات، ثم بيّن حكمها ومأخذها. وحاصل ما ذكر في هذا:
· لا يصح في تفسير الآيات حديث مرفوع.
· الموقوف على الصحابة رضي الله عنهم، والمأثور عمّن بعدهم مأخوذ من روايات عن أهل الكتاب، الله أعلم بصحتها.
· قول الحسن البصري في أن المراد بالآية: ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده، أو أنهم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا؛ ثابت عنه بأسانيد صحيحة، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما ما حملت عليه الآية. كما أنه دليل على ضعف الحديث المرفوع - الذي سبق ذكره -؛ لأنه لو صح لما خالفه الحسن وعدل عنه، وهو أحد رواته.
ثم ختم تفسيره للآيتين بذكر موقفه هو، وما يراه مقبولًا في تفسيرهما قائلًا: (وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا - والله أعلم -، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: ? وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ?(الملك: من الآية5) ، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن، والله أعلم.) ( [15] )
وأراد ابن عاشور أن يجمع بين القولين، فقال - بعد أن ذكر القولين المأثورين: (والذي يظهر لي أن في الكلام استخدامًا( [16] ) في ضميري ? تَغَشَّاهَا ? وما بعده إلى قوله: ? فَلَمَّآ ءَاتَاهُمَا ?، وبهذا يجمع تفسير الآية بين كلا الرأيين.
وهذا الذي ذكره ابن عاشور هو نفس ما ذهب إليه ابن القيم، وابن كثير، إلا أنه جعله من قبيل الاستخدام، وجعلاه من قبيل الاستطراد؛ والنتيجة واحدة.
ومما نبه عليه ابن عاشور: أن الحديث المرفوع الذي ذكره المفسرون هنا ليس فيه - على ضعفه - أنه فسّر به الآية، ولكن الترمذي جعله في باب تفسير سورة الأعراف من سنُنه؛ فألصقه المفسرون بالآية، وجعلوه تفسيرًا لها. ( [17] )
ومما سبق يتبين أنه لم يرجح القول الثاني إلا ابن جرير، وأن الباقين بين مرجح للقول الأول الذي اعتمده ابن كثير، وبين مائل إليه محتار له.
(يُتْبَعُ)