قال الإمام مالك رحمه الله: أقبل علي يومًا ربيعة فقال لي: من السفلة يا مالك؟ قلت: الذي يأكل بدينه. قال لي: فمن سفلة السفلة؟ قلت: الذي يأكل غيره بدينه. فقال:"زه"وصدرني أي: ضرب على صدري يعني استحسانًا .. !! [1] .
فهذا المسكين الذي ظلم نفسه وأوردها المهالك وباع دينه وآخرته -وربما دنياه أيضا- بدنيا غيره من الساسة والمسئولين، وسفك من أجلهم الدَّم الحرام، سيأتي يوم القيامة مفلسًا، فلم يكف إفلاسه في الدنيا وشقاؤه وكدّه فيها، حتى أضاف إليه إفلاسًا في الآخرة؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم:"أتدرون من المفلس؟"قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال:"إنَّ المفلس من أمتي من يأتي بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيُعْطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإنْ فنيت حسناته قبل أنْ يقضي ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [2] .، هذا إن جاء أصلًا بصلاة وصيام وزكاة.
وفي الوقت الذي يعاني فيه شظف العيش ويفتقد أدنى مقومات الحياة الكريمة فإنَّ قادة الحزب وكوادره العليا يرفلون في النعيم ويتمتعون بزهرة الحياة الدنيا من: ملبس ومأكل ومسكن ومركب وأزواج مستفيدين من التبرعات والمساعدات التي يجمعونها باسمه هو والكادحين مثله!
هذا ومفاسد الديمقراطية أوسع وأكثر مما ذكرنا هنا، وإنما أشرنا لما هو ملموس محسوس مشاهد، ولا تكاد تخلو منه ساحة من ساحاتها ولا حملة من حملاتها، وإلا فلو أردنا استقصاء انحرافاتها العقدية والأخلاقية، وما تثيره في النفوس من العداوة والبغضاء والشحناء نقيضَ ما أمر به الشرع من المودة والمحبة والأخوة لطال بنا المقام، وفي ما أشرنا له غنية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
(1) التحرير والتنوير - سورة التين.
(2) رواه مسلم.