وهو من أفعال القلوب والتحويل فمن مجيئه من أفعال القلوب قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} [الزخرف: 19] ، أي ظنوهم واعتقدوهم [1] .
ومن مجيئة للتحويل والتصيير، قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] .
وأصل الجعل حسي، تقول: جعل الشيء يجعله جعلا أي وضعه وجعله، صنعه وجعله صيره قال سيبويه: جعلت متاعك بعضه فوق بعض ألقيته وقال مرة عملته .. وجعل الطين خزفا والقبيح حسنا صيره إياه [2] .
ثم نقل إلى معنى الظن والاعتقاد، فإذا قلت: (جعل البصرة بغداد) كأن المعنى كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا لا يكون، لأن البصرة لا تكون بغداد، فهم من ذلك أنه أريد الظن، وكذلك إذا قلت (جعل عليا أخاك) ، كان المعنى كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا لا يكون لأن الرجل لا يكون اخا بالجعل، فهم منه أنه قصد الظن.
وهذا الاستعمال لا يزال جاريا عند العامة، تقول العامة: فلان لا يدري ما يقول جعل خالدا أخي ومحمدا عمي، ويقولون أيضا: سوى خالد أخي (وسوى) بمعنى جعل عندهم، فنقل هذا الفعل من المعنى الحسي إلى المعنى القلبي.
(1) ابن عقيل 1/ 150
(2) لسان العرب - جعل، 13/ 116 - 117