الصفحة 9 من 28

من مضايقات المشركين وتعنتهم وإيذائهم الشديد لضعفاء المسلمين، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحمل هو ومن معه وصبروا حتى فتح الله عليهم وانتشر الإسلام وعم نوره جنبات الأرض وقامت دولة الإسلام التي شملت العديد من الأقاليم العربية (جزيرة العرب) وغير العربية (والتي تعرب أكثرها فيما بعد) ، ولما كان الإسلام-كما ذكرنا في القواعد والأصول- لا يكره أحدا على الدخول فيه امتثالا للتوجيه القرآني:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"فقد ظلت مجموعات من الأقوام الكافرة في البلاد المفتوحة محتفظة بدينها ولم تدخل في الإسلام، وانقسمت الأرض بذلك إلى جزأين: جزء سيطر عليه المسلمون وأقاموا فيه دينهم وبنوا عليه دولتهم كما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي ما عرف في الاصطلاح الشرعي بـ"دار الإسلام"، وجزء يسيطر عليه الكافرون بنظمهم وشركهم وأضاليلهم وهي ما عرف في الاصطلاح الشرعي بـ"دار الكفر"، فدار الإسلام هي الدار (الإقليم) التي يسيطر عليها المسلمون أو تحكمها شريعة الإسلام ولو كان المسلمون فيها أقل عددا من غيرهم، ودار الكفر هي الدار (الإقليم) التي يسيطر عليها الكافرون أو تحكمها شرائعهم الكافرة وإن كانت أعدادهم فيها قليلة [1] .

ومرادنا بالأقلية هنا في هذا البحث"مجموعة الأشخاص في الدولة التي ليست لها السيطرة أو التحكم أو التأثير نظرا لمخالفتها للمسلمين في دينهم (الإسلام) أو عقيدتهم (عقيدة أهل السنة والجماعة) أخذا من المعنى اللغوي المتقدم القُل من الرجال: خسيس الدين"، وإن كانت أعدادها أكثر من غيرها، وانطلاقا من ذلك فإنه يمكننا أن نميز هنا نوعين من الأقليات: الأقليات الدينية (أقليات الملل) ، والأقليات العقدية (أقليات النحل) ، و الأقليات الدينية في بلاد المسلمين نوعان: أقلية ذات إقامة دائمة، وأقلية ذات إقامة مؤقتة، فأما الأقلية ذات الإقامة الدائمة فهم أهل الذمة، وأما الأقلية ذات الإقامة المؤقتة فهم المستأمنون، أما بقية الكفار في دار الحرب فلا يدخلون في الحديث عن الأقليات الدينية لأن إقامتهم ليست في دار الإسلام، وكذلك كفار الدولة التي بينها وبين دار الإسلام معاهدة أو صلح أو هدنة فلا يدخلون في الحديث عن الأقليات لأنها كيان متميز لا يتبع دار الإسلام.

(1) انظر بدائع الصنائع للكاساني 7/ 130 - 131 وانظر الأم للشافعي 4/ 279 وانظر العولمة وخصائص دار الإسلام ودار الكفر د/عابد السفياني 53 - 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت