الصفحة 26 من 28

والضلال إلا أنهم لم يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر وإنما بذلوا وسعهم في إصابة الحق فلم يحصل لهم، لكن لتقصيرهم بتحكيم عقولهم وأهويتهم وإعراضهم عن صريح السنة والآيات من [غير] تأويل سائغ، وبهذا فارقوا مجتهدي الفروع فإن خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام دليل آخر عندهم مقاوم لدليل غيرهم من جنسه فلم يقصروا، ومن ثم أثيبوا على اجتهادهم" [1] ، وهذه الأقليات العقدية ينبغي السعي في إزالة أخطائهم وجهلهم عن طريق الدعوة الواضحة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشر العلم الصحيح بينهم، ومناظرة من يحسن المناظرة منهم مناظرة من يريد هدايتهم وإخراجهم من ظلمات الابتداع والتفرق إلى نور السنة والجماعة، لا مناظرة من يريد إفحامهم ولإقامة الحجة وكفى، وقد تكون مثل هذه المناظرات ذات جدوى إذا تمت مثنى مثتى أو نحوا من ذلك، حتى إذا أقيمت الحجة وأزيلت الشبهة ولم يبق إلا مجرد العناد والإصرار على الباطل فإنهم والحالة هذه يعاقبون المعاقبة الشرعية التي تناسب ذلك."

الدولة الإسلامية دولة عقدية من واجباتها حراسة الدين وسياسة الدنيا به، ولا تقتصر مهمتها على توفير رغيف الخبز كما يقال، أو حتى تحقيق رفاهية الشعب وجعله يحيا حياة رغيدة، لذلك فإن قضية حرية التعبير عن الخصوصيات الدينية أو العقدية لا بد أن ينظر إليها من خلال هذا المنظار، لكن هذه المسألة ينظر إليها بعض الناس من خلال منظار غير صحيح إذ يرون أن من هذه الحرية أن تتمتع الأقليات الدينية بحرية الدعوة إلى عقائدها بين الأكثرية، وهذا لا شك تصور فيه مغالطة كبيرة، إذ ما علاقة حرية الأقليات في التعبير عن خصوصياتها بنشر ذلك بين الأكثرية، بل هذا فيه تعدٍ كبير على حقوق الأكثرية، بل إنه مدعاة للتهييج والاحتراب الداخلي إذ أن الأكثرية وهي وارثة الدين الحق لا يمكن أن تقبل بمحاولة الأقليات الضالة بنشر ضلالها بين المسلمين، فكان السماح لهم بالقيام بذلك من أحد أهم أسباب عدم الاستقرار في المجتمع، وكان منعهم من ذلك إضافة إلى أنه واجب شرعي مدعاة للاستقرار وحفاظا على تلك الأقلية من غضبة الأكثرية، ومن العجب أن الأكثرية لو دعت بين الأقلية لنشر دينها لعدوا ذلك من التعدي على حقوق الأقليات مع أن دعوة المسلمين الأقليات الدينية إلى اعتناق الإسلام هو دعوة إلى الدين الصحيح الذي يحبه الله ويرضاه، ودعوة المسلمين لغيرهم هي في الحقيقة من قبيل الخير والمعروف الذي يقدمونه لهداية الضالين من الناس، والمعنى الصحيح لحرية الأقلية الدينية في التعبير

(1) تحفة الأحوذي ج 6 ص 302

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت