هي أقليات من حيث اللفظ فقط دون المعنى إذ لا يترتب على هذا النوع أية أحكام خاصة بهم بل هم يدخلون في غمار المسلمين يجري عليهم ما يجري على سائر المسلمين، فالشريعة لم ترتب على هذه التقسيمات أية أوضاع أو أحكام، وإنما تترتب الأحكام بناء على الدين فالمسلم في أي إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية ليس من الأقلية (اصطلاحا) وإن كانت جنسيته مغايرة لجنس أبناء الإقليم أو لغته مغايرة للغتهم أو لونه مخالف للونهم فهو داخل في الأكثرية، إذ هو يتمتع بالحقوق كلها التي يتمتع بها الأكثرية كما تجب عليه الالتزامات كلها التي يلتزم بها الأكثرية، وهذا أمر قد عمت به النصوص وتصرفات المسلمين في أزمنة الخلافة الراشدة، فمن النصوص التي دلت على ذلك قوله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"فذكرت الآية اختلاف الناس وتمايزهم لكنها لم تجعل هذه الأشياء معيارا تترتب عليه الأحكام وإنما المعيار هو الإيمان وتقوى الله وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته وسط أيام التشريق:"يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه .."الحديث [1] وفي هذا المعنى وردت أحاديث كثيرة، وقد جاء قوله تعالى في إهدار تلك الرابطة العرقية حينما قال:"وآخرين منهم لما يلحقوا بهم"وقد فسرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ"وآخرين منهم لما يلحقوا بهم"قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا قال: وفينا سلمان الفارسي قال فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء" [2] فهذا سلمان الفارسي وهو من الجنس أو العرق الفارسي ليس من الجنس العربي وقد قيل فيه أنه"منهم"و قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المقابل عن أقارب له:"جهارا غير سر يقول: ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين" [3] وهذا بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه وهو حبشي ومع ذلك فهو يتسنم مكانة عالية مرموقة حيث يقوم بأداء وظيفة عظيمة عند المسلمين وهي النداء للصلاة، وعندما عير أبوالدرداء أحد المسلمين بلونه قائلا له يا ابن السوداء قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إنك امرؤ فيك جاهلية" [4] فأهدرت النصوص التفريق بين المسلمين على أساس اللغات أو الألوان أو العرق أو الجنسيات مما يعني عدم الاعتداد بهذه الأمور في ميزان الشريعة كمقياس لتصنيف الأقلية، ولم تكتف النصوص بهذا القدر في جانب التفضيل والمكانة الدينية، وإنما حتى في مجال القيادة والحكم فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول فيما ترويه عنه أم الحصين:"تقول حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثيرا ثم سمعته يقول إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا" [5] وهذا عمر رضي الله تعالى عنه وقد لقي نافع بن عبد الحارث بعسفان وكان عمر يستعمله واليا على مكة، فلما رآه بعيدا عن محل ولايته بادره بالسؤال فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ يريد مكة، فقال: استعملت ابن أبزى، ولما كان هذا الشخص مجهولا عند عمر سأله قائلا: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، فكأن عمر رضي الله عنه لم يرقه أن يجعل مولى لا تميز له أميرا على قريش، وهم خلاصة العرب، فقال كالمتعجب: فاستخلفت عليهم مولى! قال نافع-مقدما المسوغات لما فعل-: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل وإنه عالم بالفرائض، عندها قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين" [6] وقد جاء النهي عن العصبية القائمة على التناصر والتعاضد على أواصر الدم أو اللغة أو ما شابه ذلك فقد قال رسول - صلى الله عليه وسلم:"من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية" [7] فإذا ذهبنا إلى التاريخ الإسلامي وجدنا كثيرا من رجالات العلم والقيادة ممن لم يكن من الأكثرية بل كان ممن يمكن أن يطلق عليهم لفظ الأقليات في العصر الحاضر، فعلى سبيل المثال لا الحصر هذا أبوحنيفة الفقيه الكبير ليس من الأكثرية العربية وكذلك أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري، وكذلك الإمام مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه وغيرهم كثير، وهذا عالم النحو العربي بلا مدافع سيبويه لم يكن من العرب، وهذا صلاح الدين الأيوبي من أشهر القادة المسلمين في تاريخ الحروب الصليبية من العرق الكردي وليس من العرب، وهذا قطز بطل عين جالوت الذي هزم التتار وهم من أشر الخليقة كان من المماليك، بل هذا طارق بن زياد فاتح الأندلس هو من البربر وليس من العرب، والقائمة طويلة جدا وإنما ذكرنا ذلك على سبيل التنبيه لا الحصر، ومن هنا يتبين بلا أدنى شك أن التباينات اللغوية أو العرقية أو اللونية لم يكن يعول عليها الإسلام في تعامله مع الناس، فمن"
(1) أخرجه أحمد مسند الأنصار رقم 22391
(2) أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة رقم 4619
(3) أخرجه مسلم كتاب الإيمان رقم 316
(4) أخرجه البخاري كتاب الإيمان رقم 29 ومسلم كتاب الإيمان رقم 3139
(5) أخرجه مسلم كتاب الإمارة رقم 3422 و أخرج البخاري نحوه كتاب الأحكام رقم 6609
(6) أخرجه مسلم كتاب صلاة المسافرين رقم 1353
(7) أخرجه مسلم كتاب الإمارة رقم 3340