الصفحة 12 من 28

كانت الأقليات الدينية في دولة الإسلام أحد نتائج شريعة الجهاد في سبيل الله، لذلك كان وجودهم مبكرا أدركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن الأمر في الأقليات العقدية لم يكن كذلك إذ تأخر ظهورهم في المجتمع الإسلامي كتجمع أو اتجاه وإن وجد منهم آحاد وأفراد قبل ذلك، لأن ظهورهم في الحقيقة كان نتيجة لاجتماعهم وقيامهم على الانحراف في فهم الإسلام والعمل به، فلم يكن من المتصور أن يظهروا على هذا الوجه مبكرا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل تأخر ظهورهم إلى أواخر الخلافة الراشدة، وإن كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أشار إلى هذه الأقليات بقوله:"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة" [1] ، وقد ظهرت تلك الأقليات فيما عرف في الاصطلاح الشرعي بالفرق الضالة، أو أهل الافتراق، أو أهل البدع، فكان منهم الخوارج والشيعة والقدرية والرافضة والمرجئة والجهمية والمعتزلة إلى مسميات كثيرة مسطورة في كتب الفرق، مصداقا لقول رسول الله السابق - صلى الله عليه وسلم -، وقد كانت هناك أسباب كثيرة لظهور هذه الأقليات العقدية أهمها: اتباع الشهوات التي سببها تحكم الهوى، واتباع الشبهات التي سببها غلبة الجهل، وتقليد غير المسلمين الذي سببه التأثر بثقافات الأقليات الدينية وترجمة كتبهم إلى اللسان العربي، وفي أوقاتنا الزمنية الحديثة والمعاصرة ظهرت مسميات جديدة وهي تشترك مع أهل الابتداع والتفرق في كثير من الأصول والمناهج كالعصرانيين والحداثيين والعلمانيين والليبراليين واليساريين والاشتراكيين، غير أنهم داخل كل مسمى أطياف كثيرة إذ كلامهم ليس واحدا، بل في كل فريق تباينات واسعة، وفيهم غلاة لهم أفكار وأقوال لا تجتمع مع الإسلام في شخص واحد أبدا، حيث يوجد فيهم من يصرح برفض مناهج السلف وما أجمعت عليه الأمة، والدعوة إلى مناهج جديدة وفقه جديد يخالف المستقر المجمع عليه من دين المسلمين تحت دعوى التجديد [2] ، وهناك بدع في العبادات تقع من طائفة من الناس غير أنها لا تخرجهم من زمرة مجموع المسلمين وتدخلهم في عداد الأقليات العقدية لأنها بدع من قبيل المعاصي والسيئات لا من قبيل الافتراق في الاعتقادات.

(1) أخرجه أبو داود كتاب السنة رقم 3981 من حديث معاوية ونحوه رقم 3980 من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه كتاب الفتن رقم 3982 من حديث عوف بن مالك، ونحوه رقم 3983 من حديث أنس بن مالك، وأخرجه أحمد رقم 8046 من حديث أبي هريرة، كما أخرج أحمد أيضا حديث معاوية وحديث أنس بن مالك، وأخرجه الدارمي من حديث معاوية كتاب السير 2406

(2) انظر تجديد الخطاب الديني بين التأصيل والتحريف محمد بن شاكر الشريف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت