الصفحة 25 من 28

قد توجد في الإدارة معاني الولاية وقد لا توجد فيها تلك المعاني، فأما الإدارة التي لاتوجد فيها تلك المعاني فإنه يجوز أن يعهد للأقليات الدينية في القيام بها، وذلك مثل الإدارة الفنية التخصصية، فلا بأس في استخدامهم فيما ليس لهم فيه سلطان على المسلمين بحيث لا يكونوا تحت أيديهم، فقد استخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة دليلا مأمونا من الكفار يدله على الطريق وكذلك استخدم بعض أسرى غزوة بدر من المشركين في تعليم أبناء الأنصار الكتابة وجعل ذلك فداءهم، وأما الولاية أو ما فيه اطلاع على أسرار المسلمين فليس لهم أن يتولوا من ذلك شيئا [1] ، وأما الأقليات العقدية"فهؤلاء أقسام: أحدها الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته ولايمنع من الاستعانة به في أمور المسلمين، الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق لكنه يترك ذلك اشتغالا بدنياه ومعاشه فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته ولم يستعمل في أمور المسلمين، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى ما فيه من البدعة والهوى جاز استعماله في أمور المسلمين، الثالث: من يعرف الحق ويتبين له الهدى بعد السؤال والطلب فيترك ذلك تقليدا وتعصبا لأصحابه، أو بغضا ومعاداة لمخالفهم، فهذا أقل أحواله أن يكون فاسقا وتكفيره محل اجتهاد، فإن كان معلنا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم ولا يستعان به في أمور المسلمين إلا عند عدم القدرة على تنفيذ ذلك، أو عند الضرورة كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم" [2] وقال ابن مفلح:"تحرم الاستعانة بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين لأنهم أعظم ضررا لكونهم دعاة" [3] فعلل ذلك بكونهم دعاة أي يدعون الناس إلى بدعتهم، فمن لم يكن داعية لم يجر عليه الحكم السابق؛ إذ ليس من كان مصرا على البدع داعيا إليها كمن كان ساكتا، وينبغي عدم المسارعة في التكفير بل ينبغي التأني والتريث واستيضاح الأمور حتى لا يكون الإقدام على ذلك إلا ببينة لا تداخلها الشكوك، وقد نقل المباركفوري عن القاري قوله:"الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا نكفر أهل البدع والأهواء إلا إن أتوا بمكفر صريح لا استلزامي لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم ومن ثم لم يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين في نكاحهم وإنكاحهم والصلاة على موتاهم ودفنهم في مقابرهم لأنهم وإن كانوا مخطئين غير معذورين حقت عليهم كلمة الفسق"

(1) انظر تحطيم الصنم العلماني محمد بن شاكر الشريف 107 - 110

(2) الطرق الحكمية لابن القيم بتصرف يسير ص 145 - 146

(3) المبدع 3/ 337، الإنصاف للمرداوي 4/ 134

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت