الصفحة 21 من 28

الأقليات الدينية وكذلك الأقليات العقدية هم من أهل دار الإسلام، ولهم الحرية في أن يسكنوا في أية ناحية أرادوا، ويظعنوا عنها متى ما أرادوا وينزلوا في مكان آخر كيفما شاءوا، ولهم أن يتجمعوا في أية بقعة من بقاع الدولة لا يحجر عليهم ذلك ولا يمنعون منه [1] ، إلا أن يظهر من ذلك ريبة ويُخاف منهم الخيانة فإنهم في هذه الحالة يتابعون، وإذا ثبت عليهم شيء من ذلك بوسائل الإثبات الشرعية فإنهم يمنعون من ذلك ولا يمكنون منه، ويحاسبون بمقتضى الشريعة على ما تستحقه أعمالهم وتصرفاتهم، وقد انحاز بعض الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاموا ببناء مسجد بزعم مساعدة الضعفاء على الصلاة في الجماعة"فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية" [2] و"قالوا: يا رسول الله ربما جاء السيل يقطع بيننا وبين الوادي، ويحول بيننا وبين القوم، فنصلي في مسجدنا، فإذا ذهب السيل صلينا معهم" [3] ولكن حقيقتهم كانت مغايرة لذلك وإنما كانت للإضرار كما ذكر الله تعالى ذلك عنهم"والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله"فمنع الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة فيه وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بهدم هذا المسجد وإحراقه، فإذا تبين أن هذه الأقليات قد انحازت إلى مكان أو بقعة بقصد الإضرار بالمسلمين فلا يمكنون من ذلك، وليس في هذا ظلم لهم لأن هذا من باب منع الضرر، والشريعة تمنع الضرر عنهم وعن غيرهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" [4] ، وفي عهد الخليفة الراشد علي رضي الله تعالى عنه خرجت الطائفة التي عرفت باسم الخوارج وتميزوا عن بقية المسلمين وتحيزوا إلى مكان لكن عليا لم يجعل ذلك داعيا لقتالهم أو محاربتهم حتى يسفكوا الدم الحرام، فراسلهم رضي الله عنه وأرسل إليهم من أهل العلم حبر الأمة وتَرْجُمان القرآن عبد الله بن عباس ليناظرهم ويزيل الشبهة عنهم ويوضح لهم المحجة فرجع كثير منهم، وبقيت منهم بقية أفسدوا في الأرض وسفكوا الدم الحرام فلم يقاتلهم ولكن أرسل إليهم يطلب منهم القصاص فلما رفضوا عند ذلك قاتلهم رضي الله عنه وجنده، وقد ذكر البيهقي في سننه قصة الخوارج وبوب

(1) وذلك في غير ما منعت منه الشريعة كدخول الحرم قال الماوردي:"ليس لجميع من خالف دين الإسلام من ذمي أو معاهد أن يدخل الحرم لا مقيما ولا مارا به وهذا مذهب الشافعي رحمه الله وأكثر الفقهاء وجوز أبو حنيفة دخولهم إليه إذا لم يستوطنوه"الأحكام السلطانية ص 170 وأما الحجاز-دون الحرم- فلا يستوطنه مشرك من ذمي أو معاهد، وإن جاز لمن قدم منهم تاجرا أو صانعا مقام ثلاثة أيام يخرجون بعد انقضائها كما عمل عمر رضي الله عنه واستقر عليه الحكم انظر الأحكام السلطانية ص 171

(2) تفسير ابن جرير الطبري 11/ 22

(3) تفسير ابن جرير الطبري 11/ 25 وانظر أيضا أحكام القرآن للجصاص 4/ 367

(4) أخرجه أحمد رقم 2719 وابن ماجه كتاب الأحكام رقم 2331

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت