الممكن جدا في نظام الإسلام أن يكون الوالي على إقليم من الأقاليم من إقليم آخر، أو ينتمي إلى قومية مغايرة، أو لون مختلف، وإن كان الأولى من ناحية السياسة الشرعية أن يؤمر على الناس من يألفونه ويلتفون حوله ويكونون له أطوع، وقد جرت طبائع الناس أن تكون أكثر ميلا لمن يشابههم في المظهر العام أو يوافقهم من حيث العقائد والتصورات، فإذا وجد شخصان صالحان للإمارة من أصحاب الاعتقاد الصحيح فإن تولية المشابه للقوم أفضل من تولية غيره، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جاءه قوم مسلمين أمَّر عليهم من كانوا يرتضونه قبل الإسلام، ومما تقدم يتبين أن الأقليات اللغوية والعرقية واللونية قد اندمجت في الأمة اندماجا حقيقيا وليس اندماجا صوريا لا يتعدى المظهر الخارجي، فقد كانت المساواة حقيقية في التمتع بالحقوق التي كفلتها الشريعة وفي تحمل الالتزامات التي أوجبتها عليهم، وهذا الأمر لم تستطع أن تقوم به أية فكرة أو منهج من المناهج الداعية للحفاظ على حقوق الأقليات أو حقوق الإنسان، إذ جل ما استطاعت تحقيقه هو إصدار بعض التشريعات في ذلك، والتي لم تزد في أحيان كثيرة عن أن تكون حبرا على ورق، والأمثلة على ذلك كثيرة، ويكفى أن نذكر ما تتعرض له نساء الأقليات المسلمة في تلك البلاد التي لا تمل عن الحديث عن حقوق الأقليات وعن عدم جواز التمييز الديني، وهن في الوقت نفسه يجبرن جبرا وقسرن قسرا بمقتضى القوانين على خلع الحجاب وعدم ارتدائه، لقد اتخذت مقولة الحفاظ على العلمانية مسوغا لمنع النساء المسلمات من حقهن المشروع في ارتداء الحجاب، كما اتخذت الديمقراطية سلما لإصدار التشريع الملزم القاضي بذلك، ولفرض دكتاتورية الأغلبية على الأقلية.
هناك عوامل سواء من جانب الأقلية أو من جانب الأكثرية تدعو وتساعد على اندماج الأقلية في الأكثرية، كما أن هناك عوامل تدعو أيضا وتساعد على الاختلاف والتمايز، فعوامل الاندماج من جانب الأقلية كثيرة من أهمها شعورها أن اختلافها وتمايزها عن الأكثرية ليس عاملا حاسما في حصولها على حقوقها أو مساواتها بالأكثرية، فهي من ثم لا تحرص على البقاء أو الحرص على التمايز، وخاصة في الأنظمة العادلة التي تتعامل مع طبقات وشرائح المجتمع بالعدل والقسط، وأما العوامل التي تساعد على الاندماج من جانب الأكثرية فعلمها بأن موقفها من الأقلية ليس من باب الفضل والإحسان، وإنما هو حق كفلته لهم التشريعات، إضافة إلى رحابة صدر الأكثرية