وحرصها على التآلف، وهذا يفسر حالة المجتمع الإسلامي الأول في صدر الإسلام حيث لم تظهر مشاكل الأقليات رغم وجودها، بل ذابت كثير من الأقليات واندمجت في الأكثرية (العرب) ، وتغلبت عوامل التوحد والاتفاق بل والاندماج على عوامل الانعزال والابتعاد، وذلك أن الإسلام يوحد بين المسلمين ويساوي بينهم، ولا يعتد بتلك الفروقات القائمة على أساس المميزات الجسمية أو اللغوية أو الفيزيائية أو العرقية، ويتعامل مع المسلمين جميعا على أنهم إخوة، وقد ترتب على ذلك أن تحولت كثير من البلاد التي لم تكن يوما ما بلادا عربية إلى العربية فجميع البلاد العربية الموجودة اليوم باستثاء جزيرة العرب لم تكن عربية قبل ذلك كمصر والسودان والشام والعراق وبلاد المغرب وإنما تعربت بعد الفتح الإسلامي لها، ومن الممكن أن ننظر إلى مثال مبكر جدا في ذلك وهي قضية المؤاخاة بين الأنصار أصحاب البلد الأصليين يثرب (المدينة) وبين المهاجرين الأقلية القادمة من بلادها مهاجرة إلى الله ورسوله قد تركت ديارها وأموالها فجاءت فقيرة ليس معها شيء، فكان الأنصاري يشاطر أخاه المهاجري ماله وعقاره حتى أن أحدهم ليطلق إحدى زوجتيه حتى يتزوجها أخوه المهاجري وهو أعظم ما يكون الاندماج والامتزاج، وقد حدث ذلك بمحض الإيمان والرغبة وليس بالقهر أو الرهبة، وهذا الامتزاج والاندماج لم يكن يعني زوال الخصوصيات والتمايزات المحمودة، فقد ظل الأنصاري أنصاريا كما ظل المهاجري مهاجريا ولم يسع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه من بعده في القضاء على هذه التسميات لأنها لم تكن قائمة على العصبية، وكذلك القبائل لم يشرع القضاء عليها أو إلغاؤها بل قال الله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"فحافظ عليها وأظهر الامتنان بوجودها، لكنه هذب مما يمكن أن يوجد معها مما يضر فنهى عن العصبية وعن التناصر القائم على آصرة الدم، ولذلك عندما حدثت مشادة بين رجل مهاجري كان يمزح مع رجل من الأنصار وقال الأنصاري: يا للأنصار يستنصر برهطه، وقال المهاجري: يا للمهاجرين يستنصر برهطه، قال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم:"ما بال دعوى أهل الجاهلية-ثم لما استفسرهم عن سبب ذلك التنادي-قال: دعوها فإنها خبيثة" [1] وفي رواية"فإنها منتنة"وهذا بعكس ما إذا لم تشعر الأقلية بالأمان على نفسها والحصول على حقوقها فإنها تخشى من الذوبان في الأكثرية إذا تخلت عن خصوصياتها، لذلك فهي تجتهد في المحافظة على تميزها، فإذا تمت عملية الاندماج بناء على الاقتناع وتوفر شروط ذلك كان هذا من أكبر الأسباب في تآلف المجتمع وتماسكه، أما إذا حدثت عملية الدمج من غير توفر شروطها، أو حدثت بالقهر والعنف أوشك أن يعود التمايز أشد مما كان بمجرد زوال
(1) أخرجه البخاري كتاب المناقب رقم 3257 ومسلم كتاب البر والصلة رقم 4682