المؤثر الضاغط، ومشاكل الأقليات اللغوية أو العرقية وغيرها في الدولة الإسلامية لم تبرز إلى الوجود بهذا الشكل إلا مع تفتت الدولة وتمزقها وضياع معاني الخلافة الحقيقية-وإن ظلت أزمانا باقية من الناحية الشكلية-وقد زاد ذلك بصورة قوية مع قيام الدول العلمانية على أنقاض دولة الخلافة، واستعمار تلك الدول من قبل الدول الغربية التي بدأت في النفخ في أتون هذه المشكلة وتضخيمها، إن الظلم أو التهميش الذي يمكن أن يقال إنه وقع على الأقليات فيما مضى من الزمان لم يكن إلا ظلما وتهميشا للمجتمع كله الأقلية والأكثرية لصالح الأنظمة الحاكمة المستبدة، فالظلم الواقع على هذه الفئة هو نفسه الواقع على تلك، وذلك نتيجة البعد أو التغافل عن الشريعة، وإن مما يذهب بهذه المشكلة وينقضها من أساسها: التمسك بشريعة الإسلام والعمل بها، ونشر أحكامها بين الناس وتطبيقها على الجميع وفق تشريعها الذي لا يفرق بين المسلمين، وإن الحلول القائمة على إفساد الدين بالدعوة إلى العلمانية أو استيراد النموذج الديموقراطي لحل تلك المشكلة هي أفكار ضالة شاردة تزيد أوار المشكلة ولا تقوم بحلها، فهي كمن يحاول إطفاء الحريق بسكب النفط عليه، وإذا كان لنا أن نقدم بعض ما يمكن فعله في هذا المجال فإننا نوصي بما يلي: إفساح المجال أمام تلك القوى والمجموعات للتعبير عن نفسها وممارسة خصوصياتها (في حدود المسموح به شرعا) بدلا من ضغطها ومحاولة جعلها تابعة لنموذج الأكثرية في الدولة، وعدم التضييق عليها في التكلم بلغاتها الخاصة وتعليمها لأبنائهم، (وأما قيام الدولة بتعليم تلك اللغات الخاصة والإنفاق عليها فهي قضية مصلحية تعتمد على إمكانات الدولة وحاجتها لتلك اللغة والفائدة العامة الراجعة من تعليمها) ، وفتح باب الوظائف في جميع المجالات بحيث تكون الكفاءة والقدرة على تحقيق الأهداف مع الصلاح هي المعيار، والابتعاد عن استخدام وسائل الدمج القسري والقهر لأن ذلك سرعان ما يزول بزوال القوة المؤثرة، وعدم التدخل في إعادة توزيع الانتشار الجغرافي للتأثير على تجمعاتهم سواء بالتشتيت والتفريق على مساحة واسعة، أو بالحصر والتضييق في مكان واحد، وإذا كانت تلك الأقلية موجودة على بقعة جغرافية واحدة بمعنى أنها ليست منتشرة في أرجاء الدولة فإن الأولى أن يعهد في إدارتها من حيث التعليم والقضاء والإمامة والشرطة ونحو ذلك إلى الأفراد المؤهلين الصالحين من هذه الأقلية، وإذا احتاجت إلى المعونة والمساعدة إما لعدم الكفاية أو عدم الخبرة أو عدم المؤهلات التي يحتاج إليها فلا مانع أن يقوم بذلك أناس يصلحون لذلك من غير هذه الأقلية إذ"المؤمنون أخوة"ولا يصلح أن تكون السياسة العامة المتبعة في مثل ذلك أن تدار هذه الأقليات بأفراد من خارجها حتى وإن وجد فيها المؤهلون الصالحون للإدارة، فإن هذا مما يخالف السياسة الشرعية.