وإذ تبين بما تقدم أن الأقليات اللغوية والعرقية ونحوها (المسلمة التي لم تتميز باعتقاد فاسد) لا يخرج أصحابها عن الدخول في الأحكام العامة التي تعم جماعة المسلمين، فإننا نقصر الحديث هنا على الأقليات الدينية والعقدية:
الدولة الإسلامية دولة ذات عقيدة ولها رسالة، ورسالتها ليست قاصرة على توفير الرفاهية ورغد العيش في الحياة الدنيا لأفرادها، وإنما هي مكلفة بالعمل وفق هذه العقيدة وتبليغ تلك الرسالة إلى كل من يمكن أن تصل إليهم، وهذا يتطلب جهدا كبيرا وبذلا عظيما مع ما تحتاج إليه الدولة من الجهاد في سبيل الله لبلوغ هذه الغاية، وهذا يعني أنه لا يقوم بهذه المهمة ولا يقدر على ذلك إلا من هو مؤمن بهذه الرسالة معتقد لها، مستعد للبذل والعطاء في سبيلها، يرى في نشرها وتبليغها الفلاح في الدنيا والفوز في الآخرة، لذا كان من الأمور المنطقية ألا يقوم على هذه الدولة إلا المؤمنون برسالتها، ومن هنا يتبين أن ولي الأمر لا يجوز أن يكون ممن لا يؤمنون بهذه الرسالة، أو ممن يفهمونها فهما فاسدا يخرج بها عن الأمر الذي جاءت له، وهذا يعني أن الأقليات الدينية أو العقدية (المقبول وجودها في الدولة الإسلامية) لا يسمح لها بتولي هذا المنصب، لأنها غير مؤتمنة على هذا الأمر، وتكليفها بتولي الأمر، يعني أحد أمرين: إما تكليفها بالعمل والسعي في نصرة ما يناقض أو يخالف دينها أو عقيدتها وهذا يعد إكراها، وإما التفريط في رسالة الدولة وإضاعتها وكلا الأمرين غير مقبول، يقول محمد أسد رحمه الله:"إننا يجب ألا نتعامى عن الحقائق فنحن لا نتوقع من شخص غير مسلم مهما كان نزيها مخلصا وفيا محبا لبلاده متفانيا في خدمة مواطنيه أن يعمل من صميم فؤاده لتحقيق الأهداف [الايديولوجية] للإسلام وذلك بسبب عوامل نفسية محضة لا نستطيع أن نتجاهلها، إنني أذهب إلى حد القول أنه ليس من الإنصاف أن نطلب منه ذلك، ليس هناك في الوجود نظام [أيديولوجي] سواء قام على أساس الدين أو غير ذلك من الأسس الفكرية من نوعٍ يمكن أن يرضى بأن يضع مقاليد أموره في يد شخص لا يعتنق الفكرة التي يقوم عليها هذا النظام" [1] ومن هذا المنطلق أيضا فلا تقبل مشاركتهم في اختيار من يقوم بهذا الأمر من صالح المسلمين، لأنهم قد لا يختارون الصالح لتولي الأمر وإنما يختارون حسب مصالحهم أو عقائدهم، وقد لا يدركون تحديد الصالح لتولي الأمر لأن مقاييسهم في الاختيار ليست قائمة على
(1) منهاج الإسلام في الحكم ص 83 - 84