لم تكن علوم الحديث في المرحلة الأولى تلك المصطلحات التي تحفظ بتعاريفها ، وتردد بحروفها ، دون استيعاب واف لأبعادها ومراميها ، وإنما كانت عبارة عن حصيلة علمية يتحصل عليها المحدث البارع الفطن ، ثمرة لخبرته الحديثية الطويلة وتتبعه الدؤوب للأسانيد والمتون ، شرحًا ومقارنة ، ونتيجة لممارسته المستمرة بجمع الروايات وغربلتها وعرضها على الواقع المعروف والمحفوظ ، إلى أن تثمر تلك الممارسات والخبرة في ميدان الحديث ذوقًا حديثيًا بهيمن على أحاسيسه وبطبع مشاعره ، ومعروف أن علوم الحديث كانت تتجلى عند النقاد في جانبها التطبيقي أكثر منه في جانبها النظري .
فالسبيل الوحيد للتعرف على الجانب النقدي الذي يشكل أهم جوانب علوم الحديث في المرحلة الأولى وللوقوف على معالمه الحقيقية ، هو دراسة صحيح الإمام البخاري ، وصحيح الإمام مسلم دراسة تحليلية معمقة ، لأن كل واحد منهما يعتبر ميدانًا تطبيقيًا لذلك ، وبالإضافة إلى دراسة الصحيحين يجدر بالباحث المدقق إجراء المقارنة بالتاريخ الكبير للإمام البخاري ، وكتاب العلل الكبير للإمام الترمذي ، وكتاب التمييز للإمام مسلم وسائر كتب العلل التي تحتوي على القدر الأكبر من الروايات المعلولة ، والتي تعتبر من بقية المرويات التي اصطفى منها الإمامان تلك الأحاديث الصحيحة على أسس علمية متينة ، بحيث تبرز الدراسة ما أودع كل منهما في تضاعيف الصحيحين من الفوائد الإسنادية ، والنقدية ، ومدى تبلور المنهج العلمي لديهما في معرفة الصحيح والسقيم وكشف أوهام الرواة بل حتى ضروب الأخطاء التي وقع فيها الأئمة الأجلاء ، فضلًا عن دحض افتراءات المغرضين وحيلهم وانتحالاتهم .
ولفاحص مدقق أن يستنتج بسهولة بأن الإمام البخاري وغيره إذا كانوا يصححون من أحاديث الثقة ما تفرد به حينًا ، ويعلونه حينًا آخر ، أو إذا كانوا يردون أحاديث الضعفاء ويصححونها في مرات عديدة فذلك يدل على أن معيار قبول الحديث وتصحيحه ، ورده وتعليله ، لا يكون بحسب أحوال الرواة ، ولا ظاهر الإسناد فقط ، وإنما الأساس في ذلك مجموعة من المعطيات العلمية التي يستشفها الناقد من الرواية ومناسبتها من خلال الجمع والعرض والحفظ إلى جانب معرفته وفهمه ، والتي تكسب في نفسه قناعة ذاتية حول صحة الحديث ، وإصابة كل راو من رواته في نقلة عمن فوقه ، كما ستوضحه قريبًا إن شاء الله .
وبما أن معظم المتأخرين لم يمارسوا قواعد التصحيح والتعليل كالمتقدمين ، فإن المسائل التي قاموا بتنظيرها فيما يتعلق بقبول الحديث ورده ، ظهرت في طابع شكلي عن العمق العلمي ، وقد فصلت أحكام هذه المسائل في مواضع من كتب المصطلح ، مثل مبحث الحسن ، وزيادة الثقة ن، والإفراد ، والغريب ، والشاذ ، والمنكر ، على أساس ظواهر الإسناد وأحوال رواته ، ولم يتعدوهما ، مما أسفر عن ظهور منهج جديد لديهم ـ لا سيما المعاصرين ـ كبديل عن منهج النقدة ، ويتسم هذا المنهج بفصل الإسناد عن المتن ، والحكم على الإسناد دون المتن وربما دفعهم إلى ذلك شعورهم بفقدان المعرفة الحديثية وعجزهم عن القيام بجمع الطرق واستيعابها ، أو ربما لإنعدام النظر الثاقب عندهم في الملابسات المحيطة بكل رواية .
يقول ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ، ولا يصح ، لكونه شاذًا أو معللًا (1) .
ويقول النووي ـ رحمه الله ـ قد يصح أو يحسن إسناده أو يحسن الإسناد دون المتن لشذوذ أوعلة (2) .
ويقول الطيبي: قولهم صحيح أو حسن ، وقد يصح إسناده أو يحسن دون متنه لشذوذ أوعلة (3) .
ويقول ابن القيم: (( قد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث ، وليست موجة لصحة الحديث فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها صحة سنده ، وانتفاء علته ، وعدم شذوذه ونكارته ، وأن لا يكون روايه قد خالف الثقات أو شذ عنهم ) ) (4) .
ويقول ابن كثير: والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن ، إذ قد يكون شاذًا أو معللًا (5) ويقول العراقي: (( والحكم للإسناد بالصحة أو الحسن دون الحكم للمتن رأوا ) ) (6) .
ويقول السحاوي: (( إذ قد يصح أو يحسن الإسناد لثقة رجاله دون المتن لشذوذ أو علة ) ) (7) .
ويقول السيوطي: (( قد يصح أو يحسن الإسناد لثقة رجاله دون المتن لشذوذ أو علة ) ) (8) .
فهذه النصوص لا تعني ـ بداهة ـ سوى بيان أحوال الرواة بأنهم ثقات أو منهم صدوق ، ولذلك فإنه لا يقتضي صحة الحديث إلا إذا تحقق خلوه عما يدل على الخطأ والوهم ، غير أن هذه النصوص ساعدت على انتشار ظاهة فصل الإسناد عن المتن في الحكم لدى المتأخرين ، ولا سيما لدى المعاصرين . حيث كان تصحيحهم وتحسينهم وتضعيفهم مبنيًا على ظواهر الإسناد وأحوال رواته ، بغض النظر عن متنه ، وترسخ ذلك في عملهم ، حتى إذا أعل النقاد في نختلف العصور ما تفرد به ثقة أو صدوق ، بحجة تفرده به ، أو إذا أعلوا ما زاده عن الآخرين بحجة عدم وجود المتابعة له ، يرفضونه بمنتهى البساطة لخروجه من حدود منهجهم الذي يؤسس على ظواهر الإسناد وأحوال رواته ، كما توجه إلى ذلك كتب المصطلح ، وقد يصرحون بذلك أحيانًا بقولهم: (( كما هو مقرر في كتب المصطلح ) ).
بل إنهم يشطون في الاحتجاج بما صححوا على طريقة سطحية ، وعلى نظرية فصل الإسناد عن المتن . وهذا من الخطورة بمكان ، حيث يؤدي ذلك إلى انتشار الأحاديث الخاطئة في ألسنة الناس ، وانتشار البدع والخرافات في سلوكهم باعتقادهم أنها سنة ، كما يؤدي إلى غياب منهج النقاد في تصحيح الأحاديث وتعليلها عن اهتمام الباحثين بشكل نهائي .
وفي ظل هذه التحولات المنهجية التي شهدتها المرحلة الثانية في مجال تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتحسينها ، وفي غياب منهج المتقدمين ، الذي لا يفصل الإسناد عن المتن حكمًا ولا اعتبارًا ، عن الساحة العلمية ، نشط المستشرقون في نشر ما يدعو إلى التشكيك حول السنة النبوية بدعوى أن المحدثين اقتصروا على الدراسة الخارجية في التصحيح والتعليل ، حيث إنهم نظروا بدقة متناهية إلى السند ورجاله دون المتون وما قد يقع فيها من كذب وافتراء وانتحال من قبل المتهمين والمغرضين ، وتغلغلت هذه الفكرة الخاطئة في عروق بعض أبناء هذه الأمة فكتب واحد منهم فقال:
(( إن المحدثين عنوا عناية فائقة بالنقد الخارجي ، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي ، فقد بلغوا الغاية في نقد الحديث من ناحية رواته جرحًا وتعليلًا ، فنقدوا رواة الحديث بأنهم ثقات أو غير ثقات ، وبينوا مقدار درجتهم في الثقة وبحثوا هل تلاقى الراوي والمروي عنه ، أو لم يتلاقيا ، وقسموا الحديث باعتبار ذلك ونحوه إلى حديث صحيح وحسن ضعيف ، ولكن لم يتوسعوا كثيرًا في النقد الداخلي ، ولم يعوضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أو لا ؟ ولم يتعرضوا كثيرًا لبحث الأسباب السياسية التي قد تحمل على الوضع ، فلم يرهم شكوًا كثيرًا في أحاديث لأنه تدعم الأموية أو العباسية أو العلوية، ولا درسوا دراسة وافية عن البيئة الاجتماعية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وما طرأ عليها من خلاف ، ليعرفوا هل الحديث يتمشى مع البيئة التي حكى أنه قيل فيها أو لا ؟ ولم يدرسوا كثيرًا بيئة الراوي الشخصية وما قد يحمله منها على الوضع وهكذا ، وإنهم اتجهوا كثيرًا إلى نقد المتن وأوغلوا فيه إيغالهم في النوع الأول لا تكشفت أحاديث كثيرة وتبين وضعها مثل كثير من أحاديث الفضائل ، وهي أحاديث رويت في مدح الأشخاص والقبائل والأمم والأماكن تسابق المنتسبون لها إلى الوضع فيها وشغلت حيزًا من كتب الحديث(9) .
وكتب آخرون ما يشبهه ، وحتى إن الذين داعفوا عن منهج النقد عند المحدثين أقروا بأن نقد المتون عندهم واضح ، وأن للأصولين والفقهاء جهدًا بارزًا في هذا الجانب .
وهذا ما كتبه بعضهم:
(( إن المحدثين قد أًلوا المقاييس التي يعرف بها مدى صحة تلك الأسانيد ، وكان نقدهم للرجال وتتبعهم لأحوالهم عملًا عظيمًا . وكتبهم في أحوال الرجال وعلل الحديث كثيرة جدًا ، وفيها نقد مفصل وأسس مؤصلة يراعونها عند نقدهم أسانيد الأحاديث المختلفة ، لكن من يطالع كتب العلل والرجال لا يجد فيها نقدًا لمتون الحديث ، أما كتب الموضوعات فلعل ابن الجوزي من أوائل الذين جمعوا بين الأمرين ، فكان ينقد الحديث أولًا بالنظر إلى إسناده ثم يعقبه غالبًا بنقد متنه ، وتابعه في ذلك كثير من المحدثين ، حتى جاء ابن القيم فذكر القواعد والأمارات التي يعرف بها وضع الحديث بالنظر إلى متنه ، وكتب في ذلك كتابه: (( المنار المنيف ) )، وكانت مقاييس المحدثين في نقد المتون غير واضحة لمن يطالع كتبهم ومصنفاتهم فلم يفردوها بالتدوين ، وليس في ذلك ـ فيما أعلم ـ غير كتاب ابن القيم مع أن كتبهم في علل الحديث من الكثرة بمكان ، وبالاطلاع على دراسات الفقهاء والأصوليين لمتون السنة ظهر أن لهم جهدًا مبذولًا في هذا الجانب حيث تتضح عندهم مقاييس نقد المتون وضوحًا تامًا اهـ (10) .
وهكذا غابت المعالم الحقيقية لمنهج النقاد في نقد الأحاديث بشكل نهائي ، ومن هنا ارتفع نداء بضرورة محاكمة الأحاديث للقرآن أو العقل حتى ولو صححها الإمام البخاري ومسلم ، والجدال في هذا الجانب كثير ، وإني أقول ـ بكل تأكيد ـ إن هذه المواقف السلبية مصدرها ما ذكرناه سابقًا ، وهو الخلط الفاحش بين المتقدمين والمتأخرين ، والمعاصرين ، في المناهج والمفاهيم ، وسوء الفهم والتصور حول منهج نقدة الحديث ، والاعتماد على الظاهرة العلمية التي عمت بحوث المتأخرين ، والمعاصرين ، والتي تتمثل في فكرة فصل السند عن المتن ، والحكم على السند بغض النظر عن المتن ، مما يلح علينا توضيح الجانب النقدي عند المتقدمين .
(1) مقدمة ابن الصلاح ص: 23 .
(2) التقريب للنووي 1/161 .
(3) الخلاصة ص: 43 .
(4) الفروسية ص: 64 .
(5) الختصار علوم الحديث ص: 43 .
(6) التبصرة والتذكرة 1/107 .
(7) فتح المغيث 1/62 .
(8) تدري الروي 1/161 .
(9) د الأمين في ضحى الإسلام 2/130ـ132 .
(10) مقاييس نقد المتون للدكتور الفاضل مسفر الدميني .