فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 36

وفيما يخص بمنهج المحدثين في دراسة الأحاديث ونقدها تبقى بعض الأمور في إثارتها للجدال ، ولا بد من طرحها هنا في ضوء الواقع ، وحل عقدتها بشكل نهائي ، قبل أن نخوض في تقييم الجوانب النقدية التي تعد من أهم مضمامين علوم الحديث عند المتقدمين وأعقد مسائلها لدى المتأخرين .

ومن تلك الأمر قضية (( النقد الخارجي والنقد الداخلي ) )التي يؤمن بها الكثيرون ، ينادون بها لتنقية السنة عما يظل عالقًا بها من الشوائب ـ حسب زعمهم ـ .وفي أن هذا الأسلوب من البحث والنقد ليس بجديد بالنسبة إلى المحدثين ، إذ أنه من جملة المناهج العلمية التي اخترعوها في مرحلة الرواية ، وطوروها في المرحلة الثانية لاستخدامها في توثيق الكتب والصحائف ـ أصولًا كانت أم فروعًا ـ وحفظها عن كافة الاحتمالات في التحريف والتصحيف والتزوير والانتحال (1) ، ولعل المستشرقين قد استفادوا من جهد المحدثين في هذا المجال ـ أ] توثيق الكتب والصحائف ـ ما جددوا به منهجهم على الشكل الذي يسمونه بالنقد الخارجي والنقد الداخلي لدراستهم حول المواد التاريخية وكتب الديانات السابقة التي تنقل من غير سند ولا نسب .

فقد كانت دراسة المحدثين لغرض توثيق الكتب والصحائف في مرحلة ما بعد الرواية منصبة في جانبين: الجانب الأول: النظر في ثبوت الكتاب أو الصحيفة لصحابها من خلال دراسة السماعات والطباق المسجلة في غلافها أو في سجل عام موثوق ، والجانب الثاني: النظر في مدى صحة المحتوى من خلال مقارنتها بنسخها المتنوعة ، وعرضها عليها بشكل دقيق أو قراءتها على الشيوخ والمؤهلين لإجازاتها وتدريسها مع تحليل الكلمات والمصطلحات ليعرف المقصود منها عند مؤلفها ، إضافة إلى البحث عن منهج المؤلف فيها لمعرفة مدى التزامه بتحقيق المعلومات وتدقيقها ، وأمانته في نقلها ، ولهذا أصبحت المصادر الحديثة معروفة المناهج والدرجات ، فظهر الصحيحان في أولى المراتب ثم الأصول الخمسة ، وهكذا ...

فالنظر في الأسانيد والسماعات والإجازات لغرض إثبات الكتاب لمؤلف هو ما يقال الآن: الدراسة الخارجية ، والنظر في المحتوى والمضامين لمعرفة صحتها ، وسلامتها من التصحيف ، هو ما يقال الدراسة الداخلية .

أما الدراسة الخارجية والداخلية على نحو ما رسمه المستشرقون فمجالها المواد التاريخية وكتب الديانات السابقة مقطوعة الأسانيد ، وسائر الكتب والنصوص الصادرة عن البشر الذين يحتمل قولهم الصدق ، والكذب ، والخطأ ، وأما أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي لا يقول إلا الصدق فلا يصلح تطبيق هذه النوعية من الدراسة فيها ، لأن الذي نقصده من خلال الدراسة الخارجية هو إثبات النص عن مصدره القائل به ، أو نفيه عنه ، وهو في الأحاديث النبوية: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي لا يحتمل قوله إلا الصدق ، فإذا توصل الباحث إلى معرفة ثبوته عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خلال دراسة السند ، دراسة خارجية ـ كما يصورها المستشرقون ـ فلا يبقى بعد ذلك مجال للنظر فيما قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للتحقق من صدقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صادق أمين . أما لغرض العمل به ، والاحتجاج بمضمونه فذلك يدعو إلى تحليل النص والمقارنة ليعرف فقهه ، وهذا لم يهمله أحد من النقاد ولا من المجتهدين ، فبذلك يتبين أن مجال الدراسة الخارجية والداخلية هو نصوص من يحتمل قوله الصدق والكذب ولهذا انتهج المحدثون النقاد لدراسة الأحاديث منهجًا قيمًا مناسبًا لطبيعتها ، وهذا ما سأبينه بعد قليل إن شاء الله .

(1) عناية المحدثين بتوثيق المرويات )) لأستاذنا فضيلة الدكتور أحمد نور سيف ( حفظه الله تعالى ورعاه ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت